فرساي الجديدة… سلام على الورق أم هدنة تحت النار؟!
رعد صباح زنكنة ||

في قصر فرساي اجتمع ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران برعاية فرنسية لتوقيع مذكرة تفاهم وصفت بأنها خطوة أولى نحو خفض التوتر وفتح باب المفاوضات، الإعلان جاء بعد مرحلة من التصعيد وتضمن مهلة تمتد ستين يوماً لاستكمال التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني وآليات التنفيذ والضمانات، لكن ورغم الزخم الإعلامي بقيت الملفات الأكثر حساسية خارج دائرة الحسم ما أثار تساؤلات حول حقيقة ما تحقق.
في عالم السياسة الدولية ليست كل الاتفاقات تصاغ لإنهاء الأزمات بل إن بعضها يكتب لإدارة الوقت وشراء الهدوء وإعادة ترتيب الأوراق، وما جرى في فرساي يبدو أقرب إلى هذا النوع من التفاهمات منه إلى اتفاق سلام حقيقي.
ولم يكن اختيار فرساي أمراً عابراً، فهذا المكان لا يحمل قيمة تاريخية فحسب بل يختزن إرثا سياسياً ارتبط باتفاقات أنهت حروباً لكنها تركت في الوقت نفسه بذور صراعات جديدة، لذلك فإن استحضار فرساي اليوم لا يثير سؤالاً عن المكان بقدر ما يثير سؤالاً عن طبيعة السلام الذي يُراد تسويقه.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرك أن الصورة أصبحت جزءاً من السياسة وأن الإعلان عن اتفاق قد يحقق مكاسب داخلية وخارجية حتى قبل اختبار نتائجه، أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد وجد في استضافة الحدث فرصة لإعادة إبراز الدور الفرنسي على الساحة الدولية في وقت يواجه فيه تحديات داخلية متزايدة.
أما إيران، فلا تبدو معنية بالاستعراض السياسي بقدر اهتمامها بكسب الوقت، فالمذكرة تمنحها فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وإعادة ترتيب أولوياتها والحفاظ على أوراقها التفاوضية من دون تقديم تنازلات نهائية في الملفات التي تمثل جوهر قوتها التفاوضية، وهكذا يجد كل طرف في الاتفاق ما يخدم مصالحه حتى وإن اختلفت الأهداف.
لكن بعيداً عن عدسات الكاميرات لا تبدو المذكرة معاهدة سلام مكتملة بل إطاراً عاماً يؤجل القضايا الأكثر تعقيداً مثل التخصيب النووي ومستقبل المخزون الإيراني وآليات الرقابة والضمانات، ولذلك فإن الاتفاق يبدو أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية نهائية.
وهنا تكمن المعضلة.
فالسياسة الأمريكية كثيراً ما اعتمدت إدارة الأزمات بدلاً من حسمها لأن الأزمة القابلة للإدارة تمنح هامشاً أوسع للمناورة، ومن هذا المنظور تبدو مهلة الستين يوماً مساحة لإعادة الحسابات السياسية والعسكرية والدبلوماسية أكثر من كونها موعداً نهائياً لإغلاق الملف.
وفي المقابل لا تزال الوقائع الميدانية في المنطقة تعكس صورة مختلفة، فالتصعيد المستمر يؤكد أن المسافة بين البيانات السياسية والواقع لا تزال واسعة وأن الاتفاقات لا تُقاس بما يُعلن عنها بل بما تغيره فعلياً على الأرض.
لقد تحولت السياسة الدولية إلى ساحة للرسائل الرمزية وأصبح توقيع مذكرة تفاهم يحقق مكاسب إعلامية وسياسية حتى قبل أن يثبت نجاحها، لذلك فإن تقييم اتفاق فرساي لا ينبغي أن ينطلق من نصوصه فقط بل من موازين القوى التي تقف خلفه.
وعندما تنتهي مهلة الستين يوماً سيكون المشهد مفتوحاً على ثلاثة احتمالات: اتفاق أكثر شمولاً إذا توافرت الإرادة السياسية، أو تمديد جديد للمفاوضات بما يعني استمرار إدارة الأزمة أو انهيار التفاهم وعودة التصعيد لتتحول مذكرة فرساي إلى محطة أخرى في سلسلة الاتفاقات المؤقتة.
وفي المحصلة قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الاتفاق سينجح أو يفشل، بل ما إذا كان قد صُمم أصلاً لتحقيق السلام ام لإنتاج هدنة تمنح اللاعبين الكبار وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب المشهد. فالتاريخ يعلمنا أن فرساي لم يكن دائماً عنواناً لنهاية الحروب بل كان أحياناً بداية لفصل جديد منها، وفي السياسة الدولية كثيراً ما يكون السلام المعلن أسرع من السلام الحقيقي.




