الأربعاء - 01 يوليو 2026

الاتفاق الأمريكي – الإيراني… حين اكتشفت تل أبيب أن واشنطن لا تعمل لديها..!

منذ ساعتين
الأربعاء - 01 يوليو 2026

حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

 

 

 

في السياسة، هناك لحظات قاسية لا لأنها تحمل هزيمة عسكرية، بل لأنها تكشف أوهامًا تراكمت حتى تحولت إلى حقائق مقدسة. وما جرى بعد الإعلان عن التفاهم الأمريكي – الإيراني يبدو واحدًا من تلك اللحظات بالنسبة إلى إسرائيل.

فالضجة التي أعقبت الاتفاق لم تكن اعتراضًا على بنوده بقدر ما كانت صدمة من حقيقة أكثر إيلامًا: الولايات المتحدة قررت أن تتصرف كدولة عظمى لها مصالحها الخاصة، لا كحارس ليلي للمخاوف الإسرائيلية.

ولهذا علت في تل أبيب أصوات تتحدث عن “الخيانة”.

وهي كلمة تبدو ثقيلة في العلاقات الدولية، لكنها خفيفة جدًا عندما تصطدم بحسابات المصالح. فالدول لا تخون، بل تغيّر أولوياتها، بينما يظل الحلفاء يختلفون في تفسير ذلك بين “براغماتية” عندما يصب في صالحهم، و”طعنة في الظهر” عندما يحدث العكس.

ترامب لم يستيقظ فجأة ليعشق الدبلوماسية، ولم يكتشف في إيران شريكًا استراتيجيًا يستحق باقة ورد.

الرجل ينظر إلى العالم بعين رجل أعمال أكثر مما ينظر إليه بعين جنرال. فهو يسأل: كم ستكلّف الحرب؟ وماذا ستفعل بأسعار النفط؟ وكيف ستنعكس على الأسواق؟ وهل تستحق كل هذه الفاتورة؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا لا تُستبدل المدافع بالأوراق الموقعة؟

ومن زاوية واشنطن، تبدو الصفقة منطقية إلى حد بعيد. إيران تلقت ما يكفي من الضربات لتتذكر حدود القوة، والبرنامج النووي لم يعد يركض كما كان، والردع استعاد شيئًا من هيبته، فيما بقي الاقتصاد العالمي يتنفس دون أن يُوضع على أجهزة الإنعاش. أما في تل أبيب، فالمشكلة ليست في هذه النتائج، بل في أن النهاية لم تأتِ بالصورة التي كانت تتمناها.

في إسرائيل، اعتاد كثيرون الاعتقاد بأن كل رئيس أمريكي يصل إلى البيت الأبيض يحمل في حقيبته ملفًا بعنوان “كيف نجعل إسرائيل أكثر اطمئنانًا؟”.

لكن الواقع أكثر برودة من الأمنيات.

فالبيت الأبيض يحمل ملفًا آخر عنوانه: “كيف نجعل أمريكا أقل تكلفة؟”. وبين العنوانين مساحة واسعة اسمها المصالح.

أما الملف النووي، فهو يثير قلقًا مضاعفًا داخل المؤسسة الإسرائيلية، ليس فقط بسبب ما قد تتضمنه التفاهمات، بل بسبب احتمال أن تُصاغ من دون مشاركة إسرائيلية مؤثرة. وهنا يتحول الحليف الاستراتيجي إلى متابع جيد، ينتظر ما يتسرب من الغرف المغلقة أكثر مما يشارك في صناعة ما يجري داخلها.

وفي لبنان، تصبح المفارقة أكثر وضوحًا. فواشنطن ترى أن أي هدوء على الحدود يخدم مشروعها الأكبر مع إيران، بينما ترى إسرائيل أن الهدوء قد يمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم. وبين الرؤيتين، لا يبدو أن الإدارة الأمريكية مستعدة للتضحية بمشروعها السياسي من أجل منح الحكومة الإسرائيلية معركة إضافية.

ولذلك، فإن كلما ارتفع منسوب الاعتراض الإسرائيلي، ارتفع معه منسوب الضغوط الأمريكية. فالبيت الأبيض لا يريد من حليفه أن يجر المنطقة إلى مواجهة جديدة بينما يحاول هو إقناع الجميع بأن زمن التسويات لم ينتهِ بعد.

المفارقة الساخرة أن إسرائيل تجد نفسها اليوم تقدم النصائح نفسها التي كانت ترفضها عندما كانت تُوجَّه إلى الآخرين: إذا لم تستطع إسقاط الاتفاق، فحاول تحسينه. وإذا لم تستطع منع المفاوضات، فاحجز لنفسك مقعدًا على الطاولة. فالسياسة لا تكافئ من يصرخ خارج القاعة، بل من يعرف كيف يهمس داخلها.

وهكذا، تكتشف تل أبيب درسًا قديمًا يتكرر مع كل إدارة أمريكية جديدة: التحالف شيء، والتبعية شيء آخر. وواشنطن، مهما بالغت في دعم إسرائيل، لا تتخلى في النهاية عن عادتها الأقدم… أن تضع المصلحة الأمريكية أولًا، ثم تبحث بعد ذلك عمّن يصفق للقرار.

ربما لهذا لم يكن الاتفاق الأمريكي – الإيراني أكبر مفاجآت المنطقة، بل كانت المفاجأة الحقيقية أن بعض النخب الإسرائيلية ما زالت تتعامل مع السياسة الأمريكية وكأنها شركة مساهمة، تمتلك فيها حق النقض الدائم. لكن السياسة، للأسف بالنسبة لهم، لا تُدار بالأسهم، بل بالمصالح… والمصالح لا تعرف أصدقاء دائمين، بل تعرف فاتورةً يجب أن تُدفع، ومن يدفع أقل، يربح أكثر .! هكذا هي قواعد اللعبة السياسة المستدامة .