الأربعاء - 01 يوليو 2026

قرأءة في معطيات المرحلة : الوجه المدني للنفوذ الأمريكي في العراق وصفقة الفساد مقابل المقاومة..!

منذ 3 ساعات
الأربعاء - 01 يوليو 2026

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

 

 

 

▪️ المقدمة :

شهد العراق بعد عام 2003 تحولاً نوعياً في طبيعة أدوات النفوذ الخارجي، فمن الاحتواء العسكري المباشر، أنتقلت إدارة السيطرة إلى آليات “ناعمة” تقوم على تفكيك مؤسسات الدولة عبر منظومة الفساد المنظم.
فلم يعد الفساد ظاهرة إدارية معزولة، بل تحول إلى بنية سياسية واقتصادية، وإلى “وجه مدني” للنفوذ، وأداة لإعادة إنتاج التبعية دون كلفة عسكرية مباشرة.

وتحاول هذه الورقة مقاربة هذه الظاهرة تحليلياً، عبر تتبع وظيفة الفساد في خدمة النفوذ، وصولاً إلى قراءة معطيات المرحلة الراهنة التي تلوح فيها ملامح مقايضة “القبول بمحاسبة محدودة للفاسدين، مقابل نزع سلاح قوى المقاومة”

▪️ الفساد والنفوذ الأمريكي:

يمكن تأسيس العلاقة الجدلية بين الفساد والنفوذ الأمريكي في البلاد عبر ما يأتي..

1️⃣. تفكيك السيادة ؛

أدى أنهيار المنظومة الرقابية بشتى مسمياتها في العراق إلى تحويل المناصب العامة في كل مؤسسات الدولة من تكليف إلى بزنس، فنشأت نخبة أرتبط بقاؤها المالي والقانوني بمحاور خارجية، مما أنتج ولاءً موازياً للولاء الوطني.

2️⃣. ترسيخ اقتصاد التبعية ؛

ساهم الفساد في تكريس نموذج إقتصادي ريعي أحادي، يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير النفط الخام وإستيراد المشتقات النفطية وما يرافقها، مع تعطيل متعمد لكل المؤسسات الصناعية في البلاد، وهو نموذج مكن شركات الطاقة والإعمار من إحتكار السوق العراقي في غياب المنافسة الشفافة.

3️⃣. إدامة الضعف الاستراتيجي ؛

إن الدولة الفاسدة هي دولة عاجزة بطبيعتها، وعجزها عن تقديم الخدمات وبسط سلطة القانون يبقيها في حالة “حاجة دائمة” للدعم الأمني والمالي الخارجي، وهذا ماعملت عليه واشنطن منذ 2003 لغاية هذه اللحظة حتى وصلت إلى ذروة نفوذها.

وبذلك، لعبت العقود الوهمية والكلف المرتفعة وغياب الرقابة لعبتها، ليتحول الفساد من خلل فني، إلى إستراتيجية واشنطن في العراق في هذه المرحلة، ليتحول معها النفوذ بين ليلة وضحاها من العسكري الصلب إلى المدني الناعم.

▪️ إشكالية معركة الفساد :

تفرض ديناميكيات الواقع الراهن إشكالية بحثية جوهرية تهدد شرعية خطاب مكافحة الفساد من الأساس، ويمكن صياغتها بالتساؤل الآتي..

كيف يمكن لمن صنع بيئة الفساد في العراق أن يتصدر اليوم لمعركة تطهيره؟

وكيف لمن عاقب السيد علي الزيدي بالأمس أن يجعله على رأس حربة هذه المعركة؟
وتكشف هذه الإشكالية ثلاثة تناقضات بنيوية ومن أهمها..

أولاً: تناقض الفاعل والأداة:

القرار الأمريكي في عهد بول بريمر الذي رسّخ المحاصصة وشرع العقود الوهمية وحما شبكات الاختلاس منذ 2003، هو ذاته الأداة التي تتصدر اليوم واجهة الإصلاح، وهو ما يشير إلى إعادة تموضع تكتيكي لإحتكار ملف الفساد، وتوجيهه نحو أكباش فداء معينين بأسماء مقدمة من الأدارة الأمريكية مع إبقاء فاعلية المنظومة الأم.

ثانياً: تناقض العقاب والتوظيف:

إن تحويل شخصية مثل السيد “علي الزيدي”، التي تمت معاقبته سابقاً بتهمة التعاون مع الحرس الثوري الإيراني إلى “رأس حربة” في معركة التطهير، يكشف وظيفة إحتوائية، فالهدف هو إحتكار ملف محاسبة الفاسدين حتى لا يخرج عن السيطرة الأمريكية.
ثالثاً: تناقض السيادة والتبعية:
إذا كانت المعركة تُدار بأدوات المنظومة نفسها، وتُقايض بنزع سلاح القوى الرافضة لها، فإن النتيجة الحتمية هي أن المعركة لا تُدار للعراق، بل تُدار على العراق و هدفها تبديل وجوه النفوذ، وصفقة بين ملف الفساد وملف المقاومة.

▪️قراءة في معطيات المرحلة – صفقة الفساد مقابل السلاح.

في ضوء الإشكالية السابقة، يمكن فهم مؤشرات المرحلة الراهنة بأعتبارها مقايضة سياسية “القبول بالقضاء المحدود على الفساد، مقابل نزع سلاح المقاومة”

▪️ دوافع ومخاطر الصفقة :

تدفع أمريكا نفسها بأتجاه ترميم صورة “الديمقراطية” بعد فضائح الفساد، وإزالة العقبة الأخيرة المتمثلة بالسلاح خارج إطار الدولة.

ومن أهم مخاطرها إنها ليست إصلاحاً، بل إعادة هندسة للنفوذ وتحويله من وجهه العسكري الواضح، إلى وجه مدني لا يعلن عن نفسه ويعمل خلف واجهة الدولة. فالتضحية هنا برموز فاسدة منتهية الصلاحية مقابل تفكيك القوة الرادعة الوحيدة، يعني إبقاء المنظومة قائمة بواجهة جديدة.

▪️ الخاتمة والتوصيات :

تخلص الورقة إلى أن الفساد في العراق منظومة نفوذ متكاملة، وأن وضعه على رأس معركة مكافحة الفساد هو تأكيد على أنها عملية إدارة أزمات للنفوذ وليس إصلاحاً للدولة.
وعليه فأن هذه الورقة توصي بـ..

أ. فصل المسارات بين الملفين وأن تكون مكافحة الفساد مساراً سيادياً مستقلاً، غير مشروط بملف السلاح.

ب. معالجة المنظومة وليس الأفراد من خلال أستهداف بنى المحاصصة وغياب الرقابة وتبعية القرار الاقتصادي.

ج. معيار الصدق هو إن إختبار معركة التطهير تبدأ بسؤال واحد وهو؛ هل طالت رؤوس المنظومة التي أسست الفساد أم أكتفت بالأطراف ؟

إن السيادة تبدأ حين تدرك الشعوب أن كسر “الفاس” أهم من تبديل من يمسكها، وهدم البنية يسبق تغيير الواجهة، وإسقاط القاعدة أهم بكثير من إستبدال القمة، لكون الفساد منظومة متكاملة وليس مجرد أشخاص.

وبكيف الله.