الثلاثاء - 30 يونيو 2026
منذ 19 ساعة
الثلاثاء - 30 يونيو 2026

أمين السكافي ـ لبنان ||

 

 

 

لم يكن اللبنانيون يعلمون أنهم، وهم يبنون بيوتهم ويؤسسون عائلاتهم ويعيشون يومياتهم كما لو أن شيئًا لن يتغير، كانوا يقتربون شيئًا فشيئًا من عين العاصفة. لم يكن أحد يتخيل أن ذلك البلد الصغير، الذي بدا لعقود وكأنه قادر على التعايش مع تناقضاته، كان في الحقيقة يؤجل الانفجار فقط… لا يمنعه.

فالانفجار الكبير الذي وقع عام 1975 لم يكن حادثًا مفاجئًا ولا مجرد خلاف سياسي خرج عن السيطرة، بل كان النتيجة الطبيعية لمسار طويل من التراكمات البنيوية التي رافقت ولادة لبنان الحديث، ثم ازدادت تعقيدًا مع المتغيرات الإقليمية التي فاقت قدرة الدولة الناشئة على الاستيعاب.

منذ التأسيس، قام لبنان على معادلة دقيقة لكنها غير مستقرة؛ صيغة حكم أعطت للمسيحيين عمومًا وللموارنة خصوصًا موقعًا متقدمًا في السلطة والإدارة والقرار. وقد اعتبر خصوم تلك الصيغة أن ما نشأ لاحقًا لم يكن مجرد شراكة وطنية بل شكلًا من أشكال الامتياز السياسي الذي عُرف لاحقًا بالمارونية السياسية؛ أي جعل هوية الدولة واتجاهها وقرارها أقرب إلى التعبير عن مكوّن دون غيره.

وفي قراءة شائعة لدى كثير من القوى السياسية في تلك المرحلة، لم يكن المطلوب فقط إقامة كيان يؤمّن الحضور المسيحي في المشرق، بل أيضًا بناء نموذج سياسي مختلف عن محيطه العربي. ومن هنا ظهرت لاحقًا اتهامات وقراءات تحدثت عن وجود تقاطعات مبكرة واتصالات بين شخصيات وقوى لبنانية وبين إسرائيل، في إطار تصور يعتبر أن قيام دولة يهودية إلى جانب دولة ذات غالبية مسيحية أمر ممكن سياسيًا. وهي قراءة بقيت محل جدل تاريخي واسع، لكنها شكّلت جزءًا من الخطاب السياسي اللبناني لعقود.

لكن ما لم يكن محسوبًا بدقة هو أن المنطقة نفسها كانت تتغير.

فبعد نكبة فلسطين ثم هزيمة عام 1967، بدأ وعي فلسطيني وعربي جديد يتشكل؛ وعي يقول إن استعادة الأرض لن تأتي عبر الجيوش النظامية وحدها، بل عبر حمل السلاح والكفاح المباشر.

وهنا دخل العامل الفلسطيني إلى المعادلة اللبنانية.

بدأت الفصائل الفلسطينية تبحث عن قواعد عمل جديدة، ومع ضيق الخيارات واتساع الجغرافيا السياسية اللبنانية وتعقيداتها، تحولت أجزاء من الجنوب إلى ساحات نشاط عسكري متزايد.

وفي الوقت نفسه كان المد الناصري قد بلغ ذروته.

لم يكن جمال عبد الناصر بالنسبة إلى شرائح واسعة من المسلمين مجرد رئيس عربي؛ بل كان مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا أعاد طرح أسئلة العدالة والتمثيل والانتماء العربي. فارتفعت الأصوات التي تطالب بتعديل التوازنات الداخلية، واعتبر كثيرون أن الوقت حان لإنهاء الامتيازات التاريخية وإعادة توزيع السلطة.

هنا بدأت القضيتان تتداخلان: القضية الفلسطينية من جهة، والسؤال اللبناني الداخلي من جهة أخرى.

وفي عام 1969 جاءت اتفاقية القاهرة لتكرّس واقعًا جديدًا وهذا كان بعد هزيمة الجيوش العربية أمام الصهاينة عام ٦٧ .

الاتفاق الذي رعاه عبد الناصر وجمع الدولة اللبنانية والجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية أعطى للفصائل الفلسطينية هامش حركة أوسع داخل مناطق محددة، وخاصة الجنوب اللبناني.

ومع الوقت ظهر مصطلح «فتح لاند» لوصف مناطق النفوذ الفلسطيني في العرقوب، لتصبح الدولة عمليًا أمام واقع جديد: سيادة ناقصة، وسلاح يتوسع، وانقسام داخلي يتعمق.

ثم جاءت الضربة الكبرى عام 1970.

أيلول الأسود في الأردن.

هناك انتقل قسم كبير من الثقل العسكري والسياسي الفلسطيني إلى لبنان بعد معارك ضارية مع الجيش الأردني ، ولم يعد الخلاف فقط حول وجود فلسطيني مسلح، بل حول هوية لبنان نفسها.

هل هو بلد عربي بالكامل؟

أم بلد ذو وجه عربي؟

أم صيغة مستقلة عن الجميع؟

وتحول النقاش من الجغرافيا إلى السلطة، ومن الشعارات إلى الامتيازات، ومن السياسة إلى الشارع.

المسلمون الذين احتضنت شرائح واسعة منهم المشروع الفلسطيني رأوا أنهم يدافعون عن قضية الأمة ويطالبون في الوقت نفسه بإصلاح داخلي.

وفي المقابل رأت قوى مسيحية واسعة أن لبنان يُسحب تدريجيًا إلى مشروع لا يشبهه وأن الدولة بدأت تفقد نفسها ولم يكن في الوارد لدى الموارنة البحث في إمتيازاتهم .

وكانت النتيجة أن الجميع بدأ يتسلح… والجميع بدأ يخاف من الجميع.

إلى أن جاء الثالث عشر من نيسان 1975.

الرصاص الذي أطلق يومها لم يصنع الحرب… بل كشف أن الحرب كانت موجودة أصلًا.

خلال خمسة عشر عامًا سقطت الدولة وتحوّل لبنان إلى خرائط نفوذ ومناطق تماس.

دخل السوريون عام 1976 تحت عنوان قوات الردع العربية، لكن وجودهم تحول لاحقًا إلى العامل الأكثر تأثيرًا في القرار اللبناني.

وفي عام 1978 وقع الاجتياح الإسرائيلي الأول فيما عرف بعملية الليطاني.

ثم جاء الاجتياح الأكبر عام 1982.

دخلت إسرائيل إلى بيروت، خرجت منظمة التحرير الفلسطينية، وانتُخب بشير الجميل ثم اغتيل بعد فترة قصيرة، وبدأت ولادة مرحلة جديدة بكل ما حملته من تغييرات عسكرية وسياسية.

لكن وسط كل هذا الدخان كانت هناك قصة أخرى تتشكل بصمت.

قصة رجل دين شيعي جاء إلى لبنان ليصنع تحولًا اجتماعيًا عميقًا.

الإمام المغيب موسى الصدر.

بدعوة من الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين، وصل إلى صور ليجد طائفة تعاني من التهميش السياسي والاجتماعي ومن هيمنة البنى التقليدية والإقطاع.

بدأ مشروعه من الإنسان.

فتح أبواب التعليم.

نظم العمل الاجتماعي.

أعاد الثقة إلى الناس.

ورفع شعار أن الحرمان ليس قدرًا.

وخلال سنوات قليلة تحولت البيئة الشيعية من حالة انتظار إلى حالة حضور سياسي وثقافي وتنظيمي متصاعد، وهو تحول ستظهر آثاره لاحقًا في الحرب وما بعدها وصولًا إلى مرحلة التحرير عام 2000.

ومع اتفاق الطائف بين عامي 1989 و1990 انتهت الحرب رسميًا ، بعد أن تقاتل الكل مع الكل وتحول لبنان كل لبنان إلى بحيرة دماء ودموع ودمار .

أُعيد توزيع الصلاحيات.

وثُبتت المناصفة.

وأُعلنت ولادة الجمهورية الثانية.

لكن لبنان الذي خرج من الحرب لم يخرج من أزماته.

توقفت المدافع… لكن الأسئلة بقيت.

بلدٌ نجا من السقوط مرارًا… لكنه لم يتوقف يومًا عن العيش على حافة الهاوية.