الفساد في العراق… أزمة بنيوية قبل أن يكون جريمة فردية..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
لم يعد الفساد في العراق حالاتٍ فردية أو تجاوزاتٍ إدارية محدودة، بل أصبح منظومةً بنيويةً متغلغلة في مفاصل الدولة، حتى غدا استنزاف ثروات البلاد وإهدار مقدراتها أمراً يكاد يفوق ما عرفته الأمم في أسوأ مراحلها.
إن المشكلة لا تكمن في وجود فاسدين فحسب، بل في وجود بيئة إدارية وسياسية أنتجتهم وحمتهم ومكّنتهم من السيطرة على مؤسسات الدولة. لذلك فإن مكافحة الفساد لا تكون باعتقال بعض المتورطين فقط، على أهمية ذلك، وإنما بتفكيك البنية التي صنعت الفساد وأعادت إنتاجه.
لقد وصلت إلى مواقع القرار شخصيات تفتقر إلى الخبرة والكفاءة، بل إن بعضهم ثبت تزوير شهاداته العلمية أو ضعف مستواه العلمي، ومع ذلك أوكلت إليهم مسؤولية إدارة ملفات تمس مستقبل العراق العلمي والاقتصادي والتنموي. وفي المقابل أُبعدت الكفاءات الوطنية وأصحاب الخبرة والنزاهة، لتحل محلهم المحاصصة والولاءات والمصالح الضيقة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تشكلت منظومات إعلامية وجيوش إلكترونية لتلميع هذه النماذج والدفاع عنها، بينما تُستخدم الأموال المنهوبة في شراء الذمم والتأثير في إرادة الناخبين، فيستمر إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، واختيار شخصيات تمتلك تاريخاً علمياً وإدارياً مشرفاً، خبرتهم الساحة وجربت فعلهم ونزاهتهم وكفاءتهم ، بعيداً عن التزوير والمحسوبية، وأن يكون معيار التكليف هو القدرة على الإنجاز وخدمة الوطن.
كما أن بناء دولة قوية يقتضي ترسيخ استقلال العراق وسيادته الكاملة، ليكون قراره الوطني بيد أبنائه، بعيداً عن أي إملاءات أو مصالح خارجية، وأن تُسخَّر ثرواته الهائلة لإقامة مشاريع تنموية كبرى، تحقق نمواً اقتصادياً مستداماً، وتوفر فرص عمل كريمة للشباب، وترتقي بالخدمات، ليشعر المواطن بأن ثروة بلده عادت إليه لا إلى جيوب الفاسدين.
ولا شك أن الخطوات الحكومية في ملاحقة الفاسدين تمثل اتجاهاً إيجابياً يستحق الدعم، لكنها لن تحقق أهدافها كاملة ما لم تترافق مع مراجعة شاملة لهيكلية الدولة، وتنقية مؤسساتها من غير الأكفاء، وإعادة الاعتبار لأصحاب الكفاءة والنزاهة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
إن العراق لا تنقصه الثروات ولا العقول، وإنما يحتاج إلى إدارة وطنية صادقة، وسيادة حقيقية، وإرادة سياسية تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وعندها فقط يمكن أن يتحول العراق إلى دولة قوية، مستقلة، مزدهرة، تليق بتاريخها وشعبها العظيم.




