كل فساد هو مفارقة ساخرة..!
حسام الحاج حسين ||
مدير مركز الذاكرة الفيلية

في العراق بعد عام ٢٠٠٣ م تم هندسة الفساد و محاربة الفساد معاً حيث يبدأ دائماً بوعود الإصلاح وينتهي بمزيد من الانهيار.
كل منظومة فاسدة تُقدَّم للناس بوصفها وسيلة لتحقيق الاستقرار أو التنمية أو حماية المصلحة العامة، لكنها تتحول مع مرور الوقت إلى عبء يلتهم الدولة ويقوض ثقة المجتمع بمؤسساته.
والى الآن نحن جميعاً ضحايا هذه المفارقة؛ فمنذ سنوات، وُعِدنا بحملات إصلاح كبرى، وهيئات رقابية مستقلة، وتشريعات ستضع حداً للفساد وتعيد الأموال المنهوبة وتؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية. وفي كل مرة كان يُقال إن هذه هي المعركة الحاسمة ضد الفساد، وإن الدولة مقبلة على تحول تاريخي، لكن الواقع كان مختلفاً. فبدلاً من إنهاء الفساد، تكاثرت صوره، وتبدلت الوجوه، بينما بقيت الآليات نفسها تعمل بكفاءة لحماية المصالح الضيقة.
لقد تجاوب كثيرون مع تلك الوعود، واعتقدوا أن الإصلاح بات قريباً، وامتلأت وسائل الإعلام بالتصريحات المتفائلة، واصطف المسؤولون خلف شعارات النزاهة والمساءلة. غير أن ما تكشف لاحقاً لم يكن مشروعاً حقيقياً للإصلاح، بل دورة جديدة من الوعود التي تنتهي بإنتاج مزيد من الإحباط وفقدان الثقة.
لكن شيئاً ما تغيّر مع مرور الوقت، ولم يكن صحوة أخلاقية مفاجئة، بل كان تراكم الخيبات.
فقد أدرك الناس أن كل حملة جديدة لا تضع حداً للفساد، وإنما تمهد لحملة أخرى بالشعارات نفسها والنتائج ذاتها. وهكذا بدأ كثير ممن كانوا يصفقون لخطابات الإصلاح ينظرون إليها بعين الشك، بعدما اكتشفوا أن الإنجازات المعلنة لا تنعكس على حياة المواطنين ولا على أداء مؤسسات الدولة.
ولا يزال بعض المسؤولين يصرون على تقديم الحلول التقليدية ذاتها، وإطلاق الوعود نفسها، متجاهلين أن الأزمة لم تعد في غياب الخطط، بل في غياب الإرادة الحقيقية لتطبيقها. وفي المقابل، تتسع دائرة الأصوات التي ترى أن الفساد ليس مجرد تجاوزات فردية، بل منظومة متكاملة لا يمكن تفكيكها إلا بإصلاحات مؤسسية حقيقية تقوم على استقلال القضاء، وتعزيز الرقابة، وضمان الشفافية والمحاسبة.
إن هذا التحول في المزاج العام لا يعود إلى أن الفساد أصبح أكثر وضوحاً مما كان عليه سابقاً، بل لأن آثاره تراكمت حتى أصبحت تمس حياة الجميع. فلا يمكن لمجتمع أن يستمر وهو يستنزف موارده في شبكات المحسوبية والامتيازات، بينما تتراجع الخدمات، وتتآكل فرص التنمية، ويزداد شعور المواطنين بانعدام العدالة.
لقد بلغ الفساد من الاتساع درجة كشفت حقيقة لا يمكن تجاهلها: فالمشكلة ليست في غياب الشعارات أو الخطط، وإنما في تحويل مكافحة الفساد إلى مجرد خطاب سياسي، بينما تستمر الممارسات نفسها من دون تغيير جوهري.
ولم يولد بعد ذلك المشروع الإصلاحي القادر على كسر هذه الحلقة المفرغة، لكن ربما يكون تراكم الخيبات هو الدافع الذي يدفع المجتمع إلى التمسك بالإصلاح الحقيقي، وإلى التشكيك في الوعود المتكررة قبل أن تتحول، مرة أخرى، إلى نهاية مألوفة من الإخفاق وخيبة الأمل .!




