الاثنين - 29 يونيو 2026

فوضى الفساد وصناعة الحدث الرمزي في الحكومات العراقية المدعومة من واشنطن..!

منذ 3 ساعات
الاثنين - 29 يونيو 2026

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

 

 

 

« لغز الفساد وعملة شراء الشرعية المطابقة لشروط واشنطن »

▪️ المقدمة :

عملية تكليف السيد علي فالح الزيدي برئاسة الحكومة العراقية في نيسان 2026، لم يكن مجرد تداول تقليدي للسلطة، بل كان تكليف ناتج عن تسوية سياسية ”عراقية وإقليمية ودولية“ جاءت بعد فيتو إمريكي صارم على ترشيح أسماء مخضرمة سياسياً ومكيفة للدمج بين أساليب الحكم القديمة والحديثة، لكن المتوقع منها، التأرجح في علاقاتها مع واشنطن، والثابت لدى الغرب بأنها لا تريد ضبط توازن النفوذ السياسي والأمني بين أمريكا وخصومها في العراق والمنطقة.

وبنفس هذا السياق أعلنت واشنطن بأنها لا تبحث عن حليف تقليدي في بغداد، بل عن شريك قادر على ضبط ملفات البلاد الأكثر حساسية ” الفساد والسلاح“ وربطت دعمها له بشرط القيام ببعض الإجراءات الأستباقية التي تعزز صورته في خارج العراق، وتترجم دولياً على أنها رسالة: توضح جدوى الحكومة السياسية، ومدى تقبلها للمشاريع الكبرى المطروحه عليها، وتقرأ في الداخل: على أن هذه الحكومة غير مرتبطة بنظام المحاصصة سيئ الصيت.

▪️ آليات الدعم الأمريكي :

1️⃣. هندسة الشرعية وصناعة الصورة الأيجابية :

بعد  2003 ركزت واشنطن على أنتاج الشرعية للحكومات العراقية المدعومة أمريكيأ، وتسويق صورة إيجابية عنها، في الأوساط السياسية والإعلامية والأجتماعية في داخل وخارج العراق.
والشرعية هنا لا تعني بالضرورة الحكم الرشيد، لكنها في الأصول السياسية، حكومة مستقرة نوعاً ما، وقادرة على حماية المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.

هذا وتعرف واشنطن أن العراقيين يقدسون رواية ”الوطنية“ حتى وان كانت شكلاً وليس مضموناً، لذلك غالباً ما تبدأ محاولات ربط الحكومات بأولويات الشارع العراقي  ک « محاربة الفساد وأسترجاع الأموال واعتقال الفاسدين »

الأدارة الأمريكية واقعية وترى أن الحكومات التي تساندها ليست حكومات ملائكية لكنها حكومات مدعومة دولياً، وملتزمة بالأصلاح، والخيار الواقعي الافضل وبدونها الفوضى.

وهذا ماحصل تماماً مع السوداني والكاظمي ويحصل حالياً مع الزيدي.

2️⃣. أثبات النزاهة والوطنية وصناعة الحدث الرمزي:

حملات الأعتقال التي تطلقها الحكومات العراقية عقب كل دعم أمريكي مباشر لها، لا تفهم كأصلاح مؤسسي بل كألية لشرعنة أدائها، ووظيفتها إدارة التوازن على ثلاثة مستويات..

أ.   كسب الهيبة وربح دعم  الكونغرس الأمريكي ”الرافض للدعم“

ب. الصراع على السلطة ” تصفية الخصوم“

ج. أحتواء الغضب الشعبي ” ضبط الإستقرار “

لذلك فأن الحكومات الضعيفة التأسيس والتي لا تملك قاعدة سياسية صلبة تستند عليها، تحاول أثبات كفاءتها بإجراءات معينة، حتى تحصل على تفويض شعبي راسخ لها، وأعتقال الفاسدين هو أحد تجليات هذا النوع.

3️⃣. أعادة هندسة التحالفات:

تفتقد عادة الحكومات العراقية المدعومة من واشنطن إلى بنية حزبية وأمنية رصينة، لذا تستخدم ملف الفساد كأداة لتثبيت مركزيتها، حتى تقدم نفسها لأمريكا بوصفها حكومة أصلاحية وتمتلك إمكانية تفكيك الملفات المعقدة، ولديها القدرة على حماية المصالح وضبط التوازنات وتوزيع النفوذ.

▪️ شروط الدعم الأمريكي :

وصف البيت الأبيض الأمريكي تكليف السيد علي الزيدي ”بمرحلة الأختبار“ وربطت دعم الكونغرس لها «بحكومة خالية من الإرهاب» على حد وصف الإدارة الأمريكية، مقابل إجراءات ملموسة ضد ملفات ”الفساد والسلاح“ حصراً، وهنا لا نقرأ ملف الفساد كملف مالي منفصل عن الملف الآخر، وأنما هي تقنية حكم حديثة لربط الفساد والإرهاب بسلاح المقاومة، وتبرأت الجانب الأمريكي منه.

▪️ الخاتمة:

لو تجاوزنا فرضية الشرعنة ومراقبة الأداء وصناعة الحدث الرمزي، وافترضنا أن الزيدي في جعبته إصلاح بنيوي حقيقي، فهذا يعني أنه خرج من منطق إدارة الفساد إلى منطق تفكيكه، ويتحول من رئيس وزراء تسوية إلى رئيس وزراء دولة، ويصبح أول من كسر قاعدة المحاصصة في البلاد، وستتحول حملة تفكيك الملف المالي من ورقة تفاوض مع واشنطن إلى ثورة قطع شرايين الفاسدين.

بعد سنة من الأن إذا أبتعد عن الأنتقائية في التعامل مع الفاسدين، وبدأ بنفسه فهذا يعني أن الرجل جاد في بناء الدولة والا سيدجن كما دجن غيره.

وبكيف الله.