الاثنين - 29 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الاثنين - 29 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

كلما تعثر المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم، إرتفعت الأصوات المطالبة بإقالة المدرب أو تغيير اللاعبين أو محاسبة إتحاد الكرة؛ ورغم أهمية المحاسبة، إلا أن هذه المعالجات تشبه محاولة علاج الحمى دون البحث عن المرض الحقيقي، فالمنتخب العراقي ليس أصل الأزمة، بل هو أحد ضحايا منظومة رياضية تعاني من إختلالات مزمنة منذ سنوات طويلة، ومن السهل تحميل اللاعبين مسؤولية الإخفاق، ومن السهل أيضاً إتهام المدربين بالفشل، لكن من الصعب الإعتراف بأن المشكلة أكبر من ذلك بكثير، فالمنتخب لا يولد في يوم المباراة، بل هو الحصيلة النهائية لعمل يبدأ من المدارس والأحياء الشعبية والأندية والفئات العمرية والدوري المحلي والإدارة الرياضية.

عندما تكون هذه الحلقات أعلاه ضعيفة أو متآكلة، فمن الطبيعي أن تكون المخرجات أقل من طموحات الجماهير، لقد إعتادت الرياضة العراقية على سياسة ردود الأفعال، الخسارة تعني تغيير مدرب، والتعادل يعني فتح ملفات خلافات، والإخفاق يعني البحث عن شماعة جديدة.

أما التخطيط طويل الأمد، وبناء المشاريع الرياضية المستدامة، فقد بقي في أغلب الأحيان مجرد شعارات تتكرر في المؤتمرات والبرامج الإنتخابية، المشكلة الحقيقية أن الرياضة العراقية ما زالت تدار بعقلية الأزمة لا بعقلية المشروع، فالأندية تعاني من ضعف التمويل المُستدام، والبُنى التحتية لا تواكب طموح الشباب، وبرامج إكتشاف المواهب لا تزال محدودة، فيما تستهلك الخلافات الإدارية والإنتخابية جزءاً كبيراً من الجهد الذي يفترض أن يوجه نحو التطوير.

في الوقت الذي تحولت فيه الرياضة في كثير من دول العالم إلى صناعة متكاملة وإقتصاد مُنتج ومؤسسة إحترافية، لا يزال جزء كبير من الواقع الرياضي العراقي يدور في دائرة الإجتهادات الفردية والحلول المؤقتة، لذلك فإن أي نجاح يتحقق يبدو أقرب إلى الإستثناء، فيما تصبح الإخفاقات نتيجة طبيعية لغياب العمل المؤسسي.

المنتخب العراقي يمتلك مواهب لا يمكن إنكارها، وجماهير تُعد من الأكثر وفاءً وشغفاً في المنطقة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فالعالم لم يعد يحسم المباريات بالمواهب فقط، بل بالعلم والإدارة والتخطيط والإستثمار في الإنسان منذ سن مبكرة، إن السؤال الصحيح ليس: من المسؤول عن خسارة المنتخب؟ بل: من المسؤول عن غياب المشروع الرياضي الوطني؟ لأن إصلاح المنتخب من دون إصلاح البيئة التي أنتجته يشبه بناء طابق جديد فوق أساسات متصدعة.

العراق لا يحتاج إلى ثورة في المنتخب فقط، بل إلى ثورة في الفكر الرياضي والإدارة الرياضية تحتاج إلى إستراتيجية تمتد لسنوات، لا إلى قرارات تنتهي بإنتهاء البطولة التالية، ويحتاج إلى مؤسسات تصنع الأبطال، لا إلى البحث المستمر عن منقذ مؤقت، لهذا فإن المنتخب الوطني ليس المشكلة، بل هو المؤشر الذي يكشف حجم المشكلة وعندما تتعافى الرياضة العراقية من أمراضها الإدارية والتنظيمية، سيصبح المنتخب قادراً على إستعادة مكانته الطبيعية، ليس كفريق يشارك فقط، بل كمنتخب ينافس ويصنع الإنجازات التي تنتظرها الجماهير منذ عقود.

“لا يمكن حصاد البطولات من أرضٍ لم تُزرع فيها بذور التخطيط، فالمنتخب القوي هو ثمرة منظومة قوية، لا معجزة تتكرر كلما احتاجتها الجماهير.”.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٩ حزيران ٢٠٢٦