الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ 3 ساعات
الجمعة - 26 يونيو 2026

علي السراي ||

 

 

 

كربلاء، وما أدراك…
تلك التي حطَّمت كلَّ الأرقام القياسية في الوجود، بل وفي الكون اللامتناهي…

تكمن عظمةُ كربلاء، أيها السادة، في أنها قد محضت خلاصةَ قوةِ وشجاعةِ الحق، وفضحت محضَ خلاصةِ إرادةِ الباطل…

لقد ذهب الحسينُ إلى حدِّ اللانهاية في تقديم التضحية ونكران الذات وعظيم الفداء، حتى وصل الأمرُ به أن قال
(هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله)
أي إنه قد بلغ ذروة سنام قمة قمم العطاء في سبيل الله.

فلو بحثتَ في مضامين كربلاء، لوجدتَ فيها كلَّ شيءٍ عظيم.
فمن قرابين الإخوة والأبناء والعشيرة والأصحاب، إلى الصبر المُر والعطش الفاحش، مرورًا بالثبات والإصرار اللامتناهي

فلم يتزلزل الحسين…
ولم تزعزعه جسامةُ الخطوب…
ولا هولُ الرزايا…
ولا حجمُ الدم المراق…
بل ولم تنتهِ ملحمةُ السماء بسبي نساءٍ كانت الشمسُ تحلم في أن ترسُّمِ لهنَّ خيالًا، ولا حتى بتقديم قربان يمثل أصغر مقاتلٍ في التاريخ وهو عبدُ الله الرضيع سلام الله عليه.

لقد تاجر الحسين بكل ذرةٍ فيهِ مع الله، لقد ذاب في الله، ولم يعد يرَى له وجودًا مطلقاً، قد أفنى وربِّ الذاريات كلَّ وجوده في الله ودفاعاً عن توحيده.

تراجيديا الكون المختزلة في تلك الظهيرة الدامية لم تدع نقصًا في أي فصلٍ من فصولها، بل بلغت حدَّ الكمال المطلق في الإخراج، والأداء، وتوزيع الأدوار على جميع المشاركين فيها.

بدءًا بصاحب ملحمة السماء، وهو الحسين عليه السلام، فشخصٌ مثل الحسين، بمن يا تُرى تستطيع مقارنته؟
وبمن تقيسه وتناظره؟

بل وهل في الكون بأسره يوجد أشخاصٌ كالعباس والأكبر، أو أيٌّ من أبناء الرسالة والإمامة؟

أم قد حملت البسيطةُ برمتها أصحابًا كأصحاب الحسين، إن أردت مقارنتهم بغيرهم؟

وأما النساء، فلسن كبقية النساء، إن كانت القائدةُ فخرُ المخدرات زينبُ الكبرى شريكةَ كربلاء، ولسانَ نهضةِ الحسين، وصوتَه الهادر، ووزيرةَ الإعلام، ونصرَه الأبدي؟

ناهيك عن بقية ثقل الرسالة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأما بقية النساء، فكُنَّ القممَ والمثالَ لما يجب أن تكون عليه المرأةُ الحرةُ العفيفةُ المضحيةُ الطاهرة، أمثالُ طوعة المرادية، وأم وهب، وأم عبد الله بن عمير، وأم عمر بن جنادة بن الحارث السلمي، وغيرهن، كدُلهم زوجة زهير، وغيرها من زوجات أصحاب الحسين عليه السلام.

إذًا، لقد وُلدت كربلاء يتيمةً ولن تتكرر، كانت وما زالت وستبقى أيقونةَ كل العصور، بل قد كسرت مضامينُها وأبجديتُها وماهيتُها وكينونتُها كلَّ الأرقام القياسية في هذا الوجود، وفي كل شيء…
نعم… كلُّ شيء…

فسلامٌ عليك سيدي أبا الأحرار، وعلى كربلائك التي ما زلنا نستقي من معينها الصافي ثورةً ورصاصً ونصرًا على امتداد الدهر، وما انتصارُنا الإلهي على أمريكا والكيان، وتمريغُ أنفِ الاستكبار العالمي، إلا قبسٌ من نور انتصار كربلاء الحسين عليه السلام.

وسيأتي…
حتمًا سيأتي…
ويُطبِّب كلَّ جروح كربلاء…
ويشفي اللهُ به صدورَ المؤمنين…

سيدي، يا أيها المُدخّر لثارات كربلاء،
يرونك بعيدًا
ونراك قريبًا.

اللهم عجِّل لوليك الفرج والعافية والنصر….

حُرِّرت في ظَهيرَة يَومِ العَاشِر مِنَ المُحَرَّمِ
٢٦/٦/٢٠٢٦