الخميس - 25 يونيو 2026

فَأَصْبَحْتُمْ إِلْبًا لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ..!

منذ ساعتين
الخميس - 25 يونيو 2026

 السيد بلال وهبي ||

 

 

🚩نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم

✋ “اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”

في واحد من الخطابات التي ألقاها الإمام الحسين يوم العاشر من المحرم، مخاطبًا بها جيش عمر بن سعد -الذي كان يتكوِّن من أهل الكوفة، ومعلوم أن أهل الكوفة كانوا محسوبين على خط الإمامة، فكثير منهم كانوا مع الإمام علي والإمام الحسن (ع)، وكثير منهم راسلوا الإمام الحسين يطلبون منه أن يقدم إلى الكوفة، فقد أينعت الثمار، واخضَرَّ الجَناب وأنه يُقدِم على جُندٍ له مُجَنَّدة- في هذا الخطاب كان من جملة ما قاله الإمام (ع) للقوم: “فَأَصْبَحْتُمْ إِلْبًا لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ، بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ، وَلَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ”.

هذا التوصيف الحسيني يثير في الذهن السؤال التالي: ما هي الأسباب التي تجعل الإنسان سيفًا بيد أعدائه على أوليائه، وكيف يُستَخدَم ضدهم، ويُسَخَّر من حيث يشعر أو لا يشعر لخدمة مشروع أعدائه؟

هناك أسباب عديدة تقف خلف هذا التناقض العجيب، قد لا تتسع هذه المقالة لذكرها، لذلك أكتفي بالأهم منها:

أولًا: الولاء العاطفي البحت، مع ضعف الولاء العقائدي الراسخ في القلب أو انعدامه، وهذا النوع من الإيمان يهتز عند أول ثمن يتطلبه الولاء، هذا النوع يحب أهل الحق، ولكنه غير مستعد لدفع ثمن انتمائه إليهم، والولاء الحقيقي لا يكون بالرغبة فقط، ولا بكلمة تقال، بل بالموقف العملي، فمن لم يترجم ولاءه إلى نصرة، يصبح ولاؤه نظريًا وحسب، والولاء النظري ينهار عند أول امتحان، ولهذا كانت مشكلة كثير من المجتمعات في التاريخ أنها أحبّت الحق وأهله، لكنها لم تنصرهم في الواقع، وهذه الفجوة بين الاعتقاد والسلوك هي التي تجعل الإنسان قابلًا لأن يستخدمه العدو ضد أوليائه.

ثانيًا: ضعف البصيرة أو انعدامها، وهذا من أعظم الأسباب التي تحوِّل المرء إلى أداة بيد أعدائه، فالإنسان إذا لم يكن قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، وبين الولاء الحقيقي والمصلحة اللحظية، فإنه يصبح سهل الانقياد لعدوه، والعدو لا يحتاج دائمًا إلى أن يقنع الإنسان بمنطقه، بل يكفيه أن يُربك بصيرته، بالتشويش والضجيج، فيجعله عاجزًا عن رؤية الحقيقة كما هي.

ثالثًا: الخوف من دفع الثمن، فكثير من الناس لا ينحازون للباطل حبًا فيه، بل خوفًا من كلفة الحق، وهذا من أخطر الأمراض التربوية: أن يدرك الإنسان الحق، ثم يسكت لأنه يخاف خسارة موقع، أو رزق، أو أمن، أو وجاهة، أو علاقة اجتماعية، وعندما يصبح الخوف أصلًا حاكمًا على خيارات الإنسان، فإنه ينقلب من نصير للحق إلى متفرج، ثم إلى صامت، ثم إلى مُبَرِّر، ثم إلى مشارك، ولهذا فإن الذي لم يتربَّ على الشجاعة الأخلاقية قد يجد نفسه في لحظة الشدة يختار السلامة الظاهرية، لكنه في الحقيقة يشتري هزيمته الإيمانية والأخلاقية.

رابعًا: الطمع في الوعود الزائفة، فالإنسان الذي يربط ولاءه ومصالحه بمن يملك القوة، فسريعًا ما يتخلّى عن أوليائه عندما يرى عدوه قادرًا على توفير مصالحه، ويصبح متعلقًا بوهم المكافأة منهم، وهنا يحدث الانقلاب الخطير، فلا يعود الحق هو المعيار، بل تصبح المصلحة هي المعيار، والذي يبيع ولاءه مدفوعًا بالوهم، يخسر نفسه ودينه وكرامته.

خامسًا: التطبيع التدريجي مع الباطل، فالانقلاب الخطير لا يبدأ عادةً دفعة واحدة، بل خطوة تتبعها خطوة، وأولى تلك الخطوات أن يعتاد عليه، أن يرى الظلم مرة فيسكت عليه، ثم يبدأ بتأويله، ثم يبرره، ثم يصبح مألوفًا له، فإذا أَلِفَه فقد حساسيته تجاهه، ولم يعد يستفزُّه، ومعه يفقد ضميره الأخلاقي، وعند هذه المرحلة يصبح قابلًا لأن يكون أداة في يد أعداء أوليائه، لأنه لم يعد يشعر أن ما يفعله خطير.

سادسًا: غياب التربية على التضحية، فالإنسان الذي لم يتربَّ على البذل والتضحية من أجل مبادئه الحقَّة، يبحث عن الأعذار عندما يجيء وقت النُّصرة، ويقدِّم مصلحته الشخصية على مبادئه، ولهذا فإن التربية الرسالية الحقيقية تركِّز على صناعة الإنسان الذي يعرف أن للحق والولاء لأهل الحق كلفة، وأن الولاء لا يكتمل من دون تضحية.

سابعًا: الانفصال عن خط الولاية، فالولاية لأهل الحق ليست علاقة عاطفية بحتة، بل هي اتباع حقيقي، يتبنّى فيه الولي قيَم أوليائه ومواقفهم وخياراتهم، ويكون مستعدًا للتضحية في سبيلها، فمن انفصل عن خط الولاية عمليًا، سهل أن يُستدرج إلى موقع أعدائها.

ختامًا أقول: إذا كان السؤال: كيف يصبح الإنسان سيفًا بيد أعدائه على أوليائه؟ فالسؤال الأهم: كيف يدرأ الإنسان عنه هذا الانقلاب الخطير؟

 والجواب في مدرسة الحسين (ع): أن يتعلم الإنسان أن لا يبرر الباطل مهما كان مصدره، وأن يمتلك البصيرة التي يقدر بها أن يميِّز بين الحق والباطل، وبين الولي والعدو، وأن يربِّي نفسه على الانحياز الدائم للحق ولأوليائه مهما تكن الكلفة، وأن يقاوم طمعه فلا يبيع مبدأه بوعود كاذبة، وأن يربِّي نفسه كذلك على الوفاء والصدق، ويحافظ على صلته العقدية والعاطفية بأوليائه، وهذا ما تتكفّل به مجالس عاشوراء المقدسة.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 25/6/2026 الساعة (04:04)