الأحد - 21 يونيو 2026

ماهو سبب عدم قدرة الكيان الغاصب على تحقيق حسم استراتيجي كامل في حروبها المتعاقبة ضد حزب الله؟!

منذ ساعتين
الأحد - 21 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

لأهمية الموضوع وحساسيته قد تتكرر بعض العبارات والجمل والذي كان الباحث متعمداً في هذا الشيء، لذا اقتضى التنوية

عادة ما تكون في الحروب الغير متكافئة هنالك أسباب قد تكون غير مرئية ولكنها ملموسة ومحسوسة، فالمدد الالهي والطاف ودعوات صاحب الامر والزمان عج لم ولن تكون ببعيدة عن السائرين عن نهج الامام الحسين عليه السلام ( أقصد الجمهورية الاسلامية ومحور المقاومة ) ، لذلك نجد ان هنالك أحداث قد وقعت ووثقت لايمكن تفسيرها بالاسباب الدنيوية المادية ، نعم هنالك مدد واليد الهية خفية واصرار وعزيمة المجاهدين الكربلائيين كلها تقف وراء كل ما يحدث من معجزات امام جيوش جرار تمتلك من الامكانات اضعافا مصاعفة عما نملك ، ولكننا نملك شيئاً وهو مفتاح النصر المبين….. نملك العون والمدد الالهي ودعوات والطاف صاحب الزمان عج .
يمكن تلخيص عدم قدرة ك.غ على تحقيق حسم استراتيجي كامل في حروبها المتعاقبة ضد حزب الله (من حرب 2006 وصولاً إلى المواجهات الممتدة حتى عام 2026) في عدم التوافق بين العقيدة العسكرية الكلاسيكية وجغرافيا المقاومة اللامركزية. فرغم التفوق التكنولوجي والجوي ك.غ الهائل، اصطدمت العمليات العسكرية ببيئة عملياتية معقدة حوّلت الإنجازات التكتيكية إلى مآزق استراتيجية.
تتمثل أبرز محاور هذا الإخفاق في النقاط التالية:
1 – طبيعة الحرب اللامتناظرة واللامركزية: يعتمد حزب الله على بنية عسكرية مرنة غير مرتبطة بمركز قيادة موحد يمكن إسقاطه بضربة قاضية. هذه “اللامركزية” تجعل القوة الصاروخية والوحدات القتالية قادرة على العمل بشكل مستقل حتى في حال انقطاع الاتصالات أو اغتيال القيادات العليا.
2 – إستراتيجية “الردع المتبادل” وسلاح المسيّرات: فرضت المقاومة معادلة استنزاف لعمق الكيان ك.غ؛ فامتلاك ترسانة ضخمة من الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية حدّ من قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على حسم المعركة، وحوّل الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى ساحة معركة مفتوحة، مما تسبب في شلل اقتصادي وضغط سياسي داخلي مستمر.
3 – البيئة الجغرافية والأنفاق الأرضية: تشكل جغرافية جنوب لبنان الوعرة، المدعومة بشبكات أنفاق باليستية ودفاعية معقدة ومحصنة تحت الأرض (محفورة في الصخر)، عائقاً هائلاً أمام الدروع والمشاة الصهاينة، مما يفرغ التميز التكنولوجي الإسرائيلي من قيمته الحاسمة في المواجهات القريبة.
4 – غياب الأهداف الاستراتيجية الواضحة (معضلة حرب 2006 وتكرارها): كما أشارت “لجنة فينوغراد” سابقاً، تقع القيادة الصهيونية غالباً في فخ تبني أهداف فضفاضة أو غير واقعية (مثل القضاء التام على الحزب أو نزع سلاحه بالقوة الدبلوماسية الشكليّة)، مما يجعل الانتقال من العمل العسكري الكثيف إلى نصر سياسي دائم أمراً شبه مستحيل.
5 – العمق الإقليمي ومفهوم “وحدة الساحات”: لا يتحرك حزب الله كفصيل معزول، بل كجزء رئيسي من محور إقليمي يوفر له خطوط إمداد لوجستي وعسكري مستدامة، مما يجعل أي محاولة لفرض حصار عسكري كامل عليه غير مجدية على المدى الطويل.
بناءً على قراءتك للمشهد، هل ترى أن التكنولوجيا والاستخبارات الحديثة قادرة مستقبلاً على كسر هذه العقيدة اللامتناظرة، أم أن الجغرافيا والعقيدة القتالية ستبقى هي الحاسمة؟
وأيضاً لتحليل الفشل الإسرائيلي في حسم الصراع ضد حزب الله بعمق استراتيجي وبنيوي، يجب تفكيك الأزمة إلى عجز صهيوني عن موائمة المفاهيم العسكرية الكلاسيكية مع عقيدة “حرب المعادلات والاستنزاف المستدام” التي يتبناها الحزب، أي لتحليل عدم قدرة إسرائيل على حسم صراعها ضد حزب الله بعمق استراتيجي وبنيوي، يجب تفكيك المشهد إلى ثلاثة أبعاد أساسية تفسر كيف تحولت “القوة العسكرية المفرطة” إلى “عجز عن الحسم”:
إن جوهر الإخفاق لا يكمن في نقص القوة، بل في “عقم القوة” أمام نمط قتالي غير متناظر تمت هندسته بدقة عبر المستويات التالية:
البعد الاول – معضلة “الردع المتبادل” وتآكل العقيدة الأمنية الصهيونية
أ – تأسست العقيدة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً على ثلاثية: الإنذار المبكر، الدفاع الهجومي، والحسم السريع داخل أرض العدو. نجح حزب الله في تفكيك هذه الركائز بالكامل:
ب – استراتيجية “حرب الاستنزاف الممتدة” (War\ of\ Attrition): يعتمد الجيش الصهيوني بنيوياً على الحروب الخاطفة بسبب اعتماده على قوات الاحتياط. تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة يمثل نزيفاً مستداماً للاقتصاد الإسرائيلي وجاهزية المجتمع النفسية، مما يقلب عامل الوقت ليصبح في مصلحة المقاومة.
ج – نقل المعركة إلى “العمق الإسرائيلي”: عبر شبكة معقدة من الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية، فرض الحزب معادلة عطلت مفهوم “الجبهة الداخلية الآمنة”. إخلاء المستوطنات وشلّ المرافق الحيوية لفترات طويلة خلق ضغطاً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق داخل الكيان.
البعد الثاني – البيئة العملياتية: اللامركزية الصارمة و”الجغرافيا المحصنة”
تحولت جغرافيا جنوب لبنان إلى بيئة دفاعية شديدة التعقيد عبر مفهوم “الدفاع الشبكي المستقل”:
البنية التحتية المحصنة والأنفاق الباليستية: حفر الحزب شبكات أنفاق استراتيجية ودفاعية معقدة في عمق التضاريس الصخرية. هذه “المحميات” منحت الوحدات القتالية تحصيناً كاملاً ضد الهجمات الجوية والمدفعية، وكفلت استمرارية منظومة القيادة والسيطرة وإطلاق النار حتى من المناطق التي توغل فيها الجيش برياً.
اللامركزية المطلقة للوحدات الميدانية: تعمل المجموعات القتالية (مثل وحدات نصر، عزيز، والرضوان) بآلية الاكتفاء الذاتي عملياتياً ولوجستياً. هذا التنظيم الشبكي يعني أن اغتيال القيادات العليا أو تدمير مراكز القيادة المركزية لا يوقف المعركة؛ فالخطط النارية مبرمجة مسبقاً، والقرارات الميدانية تفويضية، مما يفقد “بنك الأهداف” الإسرائيلي قيمته الحسمية.
البعد الثالث – الفجوة الاستراتيجية في تعريف “النصر”
تكمن الأزمة الكبرى في صياغة أهداف حربية صهيونية غير قابلة للترجمة إلى واقع سياسي:
عدم التماثل في معايير النجاح: بالنسبة للكيان، النصر يتطلب إخضاع الخصم ونزع سلاحه بالكامل، وهو هدف غير واقعي ضد حركة أيديولوجية مسلحة متجذرة جغرافياً وشعبياً. في المقابل، يكمن مفهوم النصر لدى حزب الله في “منع العدو من تحقيق أهدافه، والحفاظ على القدرة على توجيه الضربات حتى اليوم الأخير من الحرب”.
العمق الإقليمي واللوجستي: لا يتحرك حزب الله كجغرافيا معزولة، بل كجزء من محور إقليمي يضمن له استدامة الإمداد اللوجستي والتكتيكي، مما يجعل استراتيجيات الحصار العسكري التقليدية عديمة الجدوى على المدى الاستراتيجي الطويل.
هل ترى أن دخول الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية المتقدمة في الحروب الحديثة قد يمنح التكنولوجيا متفوقة حاسمة لتفكيك هذه الشبكات المحصنة مستقبلاً، أم أن الجغرافيا والعنصر البشري سيبقيان هما المعادلة الصعبة؟
إن عدم قدرة إسرائيل على تحقيق حسم عسكري ناجز ضد حزب الله يعود إلى فشل العقيدة العسكرية الكلاسيكية القائمة على “الحسم السريع بنيران متفوقة” أمام استراتيجية “الدفاع الشبكي اللامركزي المستدام” وعقيدة “حرب المعادلات والاستنزاف الكثيف”.
للوصول إلى أقصى درجات العمق والدقة البنيوية، يجب تفكيك هذا الفشل عبر المحاور التشغيلية والاستراتيجية التالية:
1 – تفكيك العقيدة الأمنية الصهيونية الثلاثية (The\ Triad)
تاريخياً، ركائز الأمن الإسرائيلي هي: الإنذار، الردع، والحسم. نجح حزب الله في إحداث شلل بنيوي في هذه الثلاثية:
عقم “الحسم السريع”: بنيت القوات البرية للكيان لكي تقاتل في حروب خاطفة ونقل المعركة لداخل أرض العدو لتجنب استنزاف جيش يعتمد أساساً على “الاحتياط”. حزب الله فرض نمط “الحرب المفتوحة الممتدة الزمن”، مما أدى إلى استنزاف هائل للاقتصاد والإنتاج للكيان.
إسقاط مفهوم “الملجأ الآمن” في العمق: عبر تنويع مديات القوة الصاروخية وسلاح المسيّرات الانقضاضية، جُعلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية (تحديداً الجليل وحيفا وصولاً إلى تل أبيب) خط مواجهة أمامي. هذا التهجير المستمر للسكان وشلل قطاعات التكنولوجيا والزراعة خلق ضغطاً بنيوياً غير مسبوق على “العقد الاجتماعي” داخل الكيان.
2 – الهندسة العسكرية للجغرافيا: “الدفاع الشبكي اللامركزي”
استبدل حزب الله التشكيلات العسكرية التقليدية بنظام قتالي شبكي معقد يتفوق على التفوق الجوي الإسرائيلي:
التحصين الصخري الأعمق (الأنفاق الباليستية): لم تعد الأنفاق مجرد ممرات عبور، بل هي مدن عسكرية محفورة في طبقات جيولوجية صخرية شديدة القسوة (المحميات الطبيعية). هذه البنية تمنح الصواريخ والمقاتلين حصانة كاملة ضد القنابل الارتجاجية والمسح الجوي المستمر، مما يضمن استمرار “منظومة النار” حتى من مناطق التوغل البري الإسرائيلي.
الاستقلالية التكتيكية الكاملة للوحدات (اللامركزية القاتلة): تعمل الوحدات الميدانية (مثل “نصر”، “عزيز”، وقوات النخبة “الرضوان”) وفق مبدأ “الاكتفاء العملياتي الذاتي”. هذا يعني أن قطع خطوط الاتصال المركزية أو اغتيال الهرم القيادي لا يشل المنظومة؛ فالمخططات النارية مرسومة مسبقاً، والمجموعات تملك تفويضاً كاملاً لإدارة قطاعاتها بشكل مستقل، مما يفقد الاستخبارات الصهيونية القدرة على إحداث “صدمة وذهول” تنهي المعركة.
3 – لا تماثل الأهداف السياسية والعسكرية (Asymmetric\ Goals)
تكمن المعضلة الكبرى في الفجوة التعريفية لمعنى “الانتصار” بين جيش نظامي وحركة مقاومة:
صعوبة ترجمة التدمير إلى إنجاز سياسي: يمتلك الكيان قدرة تدميرية هائلة واستخبارات تكتيكية دقيقة (اغتيالات، ضربات استباقية)، لكن هذه الضربات تظل في الإطار التكتيكي. عسكرياً، لا يمكن تدمير بنية أيديولوجية مسلحة ممتدة شعبياً ولها عمق إقليمي وجغرافي مفتوح (عبر سوريا والعراق وصولاً لإيران) باستخدام آلة الحرب وحدها.
معادلة “البقاء هو النصر”: في عقيدة الحروب اللامتناظرة، النصر للطرف الأقوى (الكيان) يتطلب الإخضاع التام ونزع السلاح، وهو هدف غير واقعي. في المقابل، النصر لحزب الله يتحقق بمجرد “الحفاظ على القدرة على إطلاق النار وتوجيه الضربات حتى الدقيقة الأخيرة من الحرب” وإفشال أهداف الاحتلال، وهو ما تحقق في مختلف الجولات، والعامل الغيبي الالهي ودعوات صاحب الزمان وعزيمة وأصرار المجاهدين كلها لعبن دوراً مهماً وأساسياً في تحقيق النصر ( ومالنصر الا من عند الله العزيز الحكيم ).
ك. غ = الكيان الغاصب.