الإمام الحسين عليه السلام.. صرخة الحق التي كشفت الملك العضوض وأيقظت ضمير الأمة..!
القاضي/ حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
يُعَدُّ الإمام الحسين بن علي عليه السلام واحدًا من أعظم الشخصيات التي أنجبتها الأمة الإسلامية، فقد اجتمع له شرف النسب، وطهارة المحتد، وسمو الخُلُق، وعظمة الموقف، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته من الدنيا، وابن الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، نشأ في بيت الوحي، وترعرع في أحضان الرسالة، فكان صورةً ناصعةً للقيم التي جاء بها الإسلام، ومثالًا خالدًا للشجاعة والإباء والصدق والثبات.
لقد كان الحسين عليه السلام مدرسةً متكاملةً في الإيمان والورع والرحمة والعزة، ولم يكن طالب سلطان، ولا راغبًا في جاه أو دنيا، وإنما نهض وهو يحمل همَّ الأمة، ويستشعر مسؤوليته في صيانة الدين وحراسة القيم، ومنع الانحراف من أن يتحول إلى نهج دائم يطبع حياة المسلمين بطابع الاستبداد والطغيان والظلم.
وكانت واقعة كربلاء من أعظم الفواجع التي مُنيت بها الأمة الإسلامية، إذ لم تكن مجرد معركة محدودة في زمانها ومكانها، وإنما كانت منعطفًا خطيرًا كشف حجم الانحراف الذي تسلل إلى بنية الحكم، حتى تحولت الخلافة التي أريد لها أن تقوم على العدل والشورى وحمل أمانة الدين إلى ملكٍ عضوضٍ قائمٍ على التغلب والاستبداد والظلم، حيث غلب سلطان القوة على سلطان الحق، وأصبحت إرادة الأمة رهينةً لأهواء الحكام، وتعرضت الحقوق والحريات والمقدرات العامة لألوان من المصادرة والاستئثار.
وإذا كانت كربلاء قد كشفت قسوة ذلك التحول، فإنها في الوقت نفسه أظهرت عظمة الحسين عليه السلام، الذي وقف في وجه الجبروت وقفة المؤمن الواثق بربه، ولم يساوم على الحق، ولم يبع مبادئه بثمن بخس، وإنما بذل نفسه وأهل بيته وأصحابه فداءً للحق والعدل، ليبقى صوته مدويًا في ضمير التاريخ، وليتعلم الناس أن الكرامة أغلى من الحياة، وأن السكوت على الظلم يورث الأمم ذلًا طويلًا.
لقد كانت فاجعة كربلاء جرحًا غائرًا في جسد الأمة، سالت فيه دماء الصفوة الطاهرة، وانتهكت فيه الحرمات، وسُبيت فيه حرائر بيت النبوة، وارتُكبت فيه من صنوف القسوة ما تقشعر له الجلود، حتى غدت تلك المأساة شاهدًا على ما يمكن أن يبلغه الاستبداد حين ينفصل عن قيم الدين والعدل والرحمة.
وفي تلك البقعة القاحلة حوصر سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثلة من خيرة أهل بيته وأصحابه، ومعهم النساء والأطفال الذين مُنعوا من الماء، وصُبَّت ألوان الحقد على تلك الأجساد الطاهرة. ولم تكن بشاعة الفاجعة في حد السيف وحده، وإنما في جرأتها على الدم الذي جرى في عروق المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حيث وطئت الخيل الصدور الشريفة، ورُفعت الرؤوس الطاهرة على الأسنة، وسُبيت حرائر الوحي، في مشهد تقشعر له جلود الأحرار، وتتصدع له قلوب الإنسانية في كل عصر ومصر.
من إمارة الأمة إلى الملك العضوض
لقد كانت كربلاء إعلانًا داميًا عن التحول الذي أصاب الأمة، حين انتقلت من مبادئ الشورى والعدل وحفظ كرامة الإنسان إلى واقع الملك العضوض، حيث استبد سلطان التغلب بإرادة الأمة، وغلبت المصالح والأهواء على قيم الحق والإنصاف.
وقد ترتب على ذلك اتساع دوائر الظلم، واستئثار فئات قليلة بخيرات الأمة وثرواتها، وإهدار الطاقات، وإضعاف إرادة الشعوب، حتى غدا كثير من مقدرات المسلمين عرضةً للطامعين، ووسيلةً لترسيخ النفوذ والهيمنة، بدل أن تكون سبيلًا إلى نهضة الأمة وعزتها.
كما استُغلت بعض المنابر والاتجاهات الدينية لتبرير الظلم، وصناعة ثقافة الخنوع، مما أورث الأمة وهنًا طويلًا امتدت آثاره عبر القرون، وأفقدها كثيرًا من عناصر قوتها ووحدتها.
غير أن دم الحسين عليه السلام لم يكن دمًا أريق ثم انطوى ذكره، وإنما كان مشعلًا متقدًا أيقظ الضمائر، وأحيا روح المقاومة للظلم، ورسخ في وجدان المسلمين معنى التضحية في سبيل المبادئ، وأثبت أن أصحاب الرسالات لا يُقاسون بكثرة العدد ولا بقوة العتاد، وإنما بما يحملونه من صدق وإيمان وثبات.
ولقد كانت تلك الفاجعة إنذارًا صارخًا للأمة بعواقب الرضوخ للظلم والتخاذل عن نصرة الحق، إذ إن الاستسلام للطغيان لا يورث إلا الذل والخسران، وهي آثار لا تزال تتجدد في حياة كثير من أبناء الأمة إلى يومنا هذا. ولم يكن الاعتداء على الحسين عليه السلام اعتداءً على شخصه الكريم فحسب، وإنما كان اعتداءً على منظومة القيم والأخلاق والمبادئ والمنهج الذي جاء به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد أثبتت كربلاء أن الحق قد يُحاصَر، لكنه لا يُقهَر، وأن المبادئ التي تُروى بدماء الصادقين تبقى خالدةً ما بقي الليل والنهار، وأن صوت الحسين عليه السلام سيظل شاهدًا على الظلم، ومنارةً للأحرار، ونداءً متجددًا في وجه الطغيان والاستبداد:
ماجَتِ الأرضُ واستطارَ البلاءُ ** يومَ أغرى بغَيِّهِ الأشقياءُ
وعلا في الأنامِ طوفانُ شرٍّ ** واستبدَّتْ بليلِه الظلماءُ
وسرى الجورُ في البلادِ فغاضتْ ** من معينِ الهدى بها الأنداءُ
واستباحوا الحِمى، وأوردها البغيُ ** مواردَ ما مثلُها النكراءُ
قتلوا سبطَ أحمدٍ فاستبانتْ ** منهمُ في الضمائرِ الأدواءُ
وتردَّوا في غيِّهم، وتناهى ** بهم الإفكُ، واستطال العياءُ
وسلكوا في الفساد شتَّى دروبٍ ** لا كتابٌ يُرى ولا أنبياءُ
لم يراعوا لخير خلق إلهٍ ** في بنيه، وما هم الأوفياءُ
واستبدَّت نفوس قومٍ فأضحى ** ملكُهم للورى به استعلاءُ
يضمرون العداء للحق بغضًا ** ولدين الهدى، وهم أعداءُ
فأقام الحسين للدين صرحًا ** عزَّ أن ترتقي إليه الأعداءُ
وشدا بالعلا، فدانت له المجـ ** ـدُ، وخفَّت لنوره الظلماءُ
بطل الحق، ما انثنى عن جهادٍ ** حين ولَّى عن الوغى الجبناءُ
ناصر الدين، لم تمله الأماني ** ولم تستهو قلبَه الأهواءُ
أورث العزَّ للهدى فتغنَّتْ ** بحديث افتخارِه الشعراءُ
كربلاءُ، وفي ثراها معانٍ ** خالداتٌ، بها يطيب الثناءُ
كم إليها تهوي القلوب اشتياقًا ** ويؤمُّ رحابَها العلماءُ
ليزوروا الحسين سبط رسول الله، إذ فيه تُرتجى الآلاءُ
ريحانة المصطفى، ومنبع مجدٍ ** فاح منه التقى، وزان السناءُ
شيَّد الدين بالفداء، فأمسى ** شامخ الذكر، ما له إخفاءُ
وهو سيِّدُ الشباب بحقٍّ ** هكذا جاءنا به الأمناءُ
أثبت الفضل فيه قوم ثقاتٌ ** صدقوا النقل، وهم أتقياءُ
ومن هنا، فإن كربلاء لم تكن حادثةً عابرةً طواها الزمان، ولا صفحةً من صفحات الحزن المجرد، وإنما كانت حدًّا فاصلًا بين نهجين، ومعلمًا خالدًا من معالم الصراع بين الحق والباطل، والعدل والجور، والحرية والاستعباد. وما كان الحسين عليه السلام رجلَ مرحلةٍ مضت وانقضت، وإنما كان صوتًا خالدًا للحق، وضميرًا حيًّا للأمة، ومنارةً تهدي الأحرار كلما ادلهمت الخطوب، واستحكمت حلقات الظلم والطغيان.
لقد مضى الطغاة بما ملكوا من سلطان، وانقضت الدول بما شيدت من قصور، وتبددت جموع الجبابرة بما حشدت من قوة، وبقي الحسين عليه السلام حيًّا في وجدان الأمة، تتردد سيرته على الألسن، وتفيض ذكراه في القلوب، شاهدةً على أن السيف قد يغلب في ساعة، ولكن الحق هو الغالب في مسيرة التاريخ، وأن الدم الزكي إذا امتزج بالإيمان والصدق كان أبقى أثرًا، وأخلد ذكرًا، وأمضى سلطانًا من عروش الملوك والتيجان.
وإذا كان الملك العضوض قد استطاع أن يستأثر بالسلطان، وأن يرهق الأمة بألوان الاستبداد، وأن ينهك حقوقها ومقدراتها، فإنه عجز عن أن يطفئ نور المبادئ التي خرج الحسين عليه السلام من أجلها، وعجز عن أن يحجب عن الأجيال صوت الحق الذي دوى في كربلاء، ليعلن أن الكرامة لا تُشترى، وأن العزة لا تُوهب من الطغاة، وأن الأمة التي ترضى بالذل تفقد أسباب بقائها، أما الأمة التي تحفظ قيمها وتتمسك بمبادئها، فإنها وإن تعثرت يومًا، لا تلبث أن تستعيد مكانتها، وتنهض من جديد.
وهكذا بقيت كربلاء مدرسةً خالدةً في التضحية والفداء، وبقي الإمام الحسين عليه السلام رمزًا للعزة والإباء، وعنوانًا للصدق والثبات، وشاهدًا على أن أصحاب المبادئ قد يسبقهم خصومهم إلى متاع الدنيا، ولكنهم يسبقونهم إلى الخلود في صفحات التاريخ، وإلى رضوان الله في دار القرار.
فسلامٌ على الحسين يوم ولد، ويوم جاهد وصبر، ويوم ارتقى شهيدًا مظلومًا، ويوم يُبعث حيًّا، وسلامٌ على أهل بيته الأطهار، وأصحابه الأخيار، الذين خطوا بدمائهم الزكية أنصع صفحات الوفاء والإيمان، وأثبتوا أن الحق قد يُحاصَر ولكنه لا يُقهَر، وأن المبادئ التي تُسقى بالدماء الطاهرة تبقى ما بقي الليل والنهار، وأن عاقبة الظلم إلى زوال، وعاقبة الصبر والتقوى إلى فلاحٍ وانتصار.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.




