السبت - 20 يونيو 2026

ماذا رأى الغرب في الحسين ولم نره نحن؟!

منذ 3 ساعات
السبت - 20 يونيو 2026

دينا الرميمة ||

 

ما إن يحلّ شهرُ محرّمٍ الحرام حاملًا معه ذكرى عاشوراء، مستحضرُا مأساةً أمة بأكملها حملت إسم واحدا«عاشوراء» وفرضت على القلوب وقارَ حزنٍ يسكنُ الصدورَ دون إذن ما أن نشرع بنشر راياته حتى يخرج من ينتقد احياؤنا لها و يرشقنا بسهام لوامة تعيب علينا حزننا ودموعٍ نذرفها وجعًا على مشهد رجلٍ وقف وحيدًا في وجه الظلم، لا يملك إلا إيمانًا يعجّ بصدره، وقلةً من الرجال ان أحدهم يسأل عن الشهادة وكأنه يسأل عن موعد نزهة، ونساءٌ وأطفالٌ عطشى على شط الفرات يفصلهم،عن شربة من مائه حد سيوفٌ ونوايا تنصب الموت لمن يقترب منه، وكريمة قوم كان ابوها يطفئ المصباح حتى لايرى ظلها أحد أصبحت سبية وصبر بلا حد، ووجع يقاس بوقع كلمات الشماتة التي تدمي جراحها وتفجر عبراتها انهارا على أجساد طهرها الله من الرجس تطهيرا واصبحت تداس بين الاقدام و تذبح رؤوس وتقدم كقرابين رضى ليزيد ليتشفى بمصاب آل البيت أمام نكأة بدر،وهذا مااصاب جسدَ الأمةِ والدينِ بجرحٍ لا يندمل

فاذا كانت عاشوراء قد جعلت السماء تصب دموعها صبا وابكت الارض وفجرتها غضبا وحزنا، فكيف بنا نحن لانبكيها ونحن الذين يبكينا مشهدٌ في فيلم يجسّد موقفًا إنسانيًا،

فكيف لا نبكي سبطَ النبيّ وبقيّته الذين لم يزل دمهم ينزف مأس في واقعٌنا ونرى كربلاء هنا وحسينٌ يقتل هناك،
وربما نحن نرى في كربلاء ما لايراه اولئك الذين ينتقدون حزننا ويحسبون ان عاشوراء ذكرى طمرت ودفنت مع أجساد أهلها ولذلك فهم لايرون احياؤنا لها بمثابة استدعاء للبكاء المميت،وهذا مايجعلني اشعر بالشفقة عليهم على الرغم من كلماتهم المقززة حدّ الشعور بالرغبة في التقيؤ، لانهم اولآ يجهلون ماتحمله هذه الذكرى من قيم سامية جعلت التاريخ في محرم يتنفس دموع، وأن دموعنا ليست إلا تعبيرا عن شعور أنساني يجب الا يموت فينا ابدا، ربما لعلّهم ممن غُيّب وعيهم فلم يقرأوا سيرة نبيّهم القائل: _«حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً»_.

فاصبحوا بجهلهم هذا من ضمن من هيأؤوا الساحة ليزيد وجعلوا نسخ منه تتكرر،
ولو انهم أنصفوا التاريخ لأدركوا أن عاشوراء ليست حادثةً وانتهت، وإنما هي مشروع وعيٍ مستمر، وثورةٌ حملت أبعادٍ دينية وسياسية وأخلاقية، فتحت باب النقاش حول الإصلاح والشرعية والمقاومة والصبر في مواجهة الظلم.

ومن هنا تأتي أهمية إحيائها كمحطة مفصلية في تاريخ الأمة ؛ فمن يظن أن عاشوراء مجرد حادثٍة انتهت على رمال الطف فهو يعامل التاريخ كأنه أرشيف موتى. والحقيقة أن التاريخ ليس عدد من التواريخ، بل دروس تتكرر كلما وُجد ظالمٌ ومظلوم،
ولان التاريخ لايموت فهو يقول ان الحسين لم يُقتل طلبًا للملك، وإنما لأنه رفض أن يُبايع على السكوت عن الفساد. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تتكرر صور يزيد في كل عصر بوجوه جديدة؟

والأغرب من ذلك أن أكثر الناس إنصافًا له كانوا من خارج دائرة الإسلام. وكأن الحق يحتاج أحيانًا إلى عينٍ غريبة ليراه الناس بلا تعصب. فلم يكن إعجاب الناس به مقتصرًا على أتباعه أو من ينتسب إليه، بل امتدّ إلى غير المسلمين الذين أبهرتهم ثورته وتضحيته وشجاعته. وساسرد هنا ماتسنى لي جمعه من أقوالهم:

– *المهاتما غاندي*: _”تعلمت من الحسين كيف أنال النصر وأنا مظلوم”_، ورأى أن الهند لن تنهض إلا إذا سارت على خطاه.
– *أنطون بارا*، الكاتب المسيحي اللبناني، قال: _”لو كان الحسين لنا، لنصبنا له في كل أرض منبرًا، وفي كل بلد مجلسًا، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسمه”_.
– *إدوارد جيبون*، مؤرخ بريطانيا، كتب: _”في مسافة بعيدة من عاصمة الخلافة، استشهد حفيد النبي ببسالة، وكانت ذكراه مثار حزن الأجيال اللاحقة”_.
– *توماس كارلايل*، الفيلسوف الإسكتلندي، رأى أن _”أعظم حدث في التاريخ الإسلامي هو استشهاد الحسين؛ لقد علّم المسلمين كيف يموتون بشرف”_.
– *تشارلز ديكنز* قال بعد قراءته عن كربلاء: _”لو كان للحسين جيش مثل جيش يزيد، لما وجدنا على وجه الأرض ظالمًا واحدًا”_.
– *واشنطن إيرفنج* وصفها بأنها _”واحدة من أكثر المآسي إيلامًا في تاريخ البشرية”_.
– *مارماديوك بكتال*، المستشرق الذي أسلم، اعتبر أن _”استشهاد الحسين كان نقطة تحول جعلت الإسلام حيًا في ضمير الأمة”_.

وبالتالي فحين تتفق هذه الأصوات المختلفة والغير منتمية للإسلام ولا لحزب أو طائفة من الطوائف التي انتجها غياب الوعي في واقعنا وامتنا على معنى واحد، ندرك أن المسألة ليست طائفية، وإنما قصة إنسانٍ واجه الظلم واختار الموت على الذل. ولعلّ السبب الحقي للهجوم على إحيائها هو الخوف من الدرس الذي تحمله: درسٌ يقول إن 72 رجلًا أعزلًا قادرون أن يهزموا جيشًا كاملًا أخلاقيًا، وإن السكوت على الظلم خيانة، وإن الموت بعزة خير من الحياة بذل.

وهذا ما يزعج كل سلطة قائمة على الخنوع، وكل فكر يريد للدين أن يكون طقسًا بلا موقف. لذلك لا يُهاجمون الذكرى لأنها قديمة، بل لأنها حيّة توقظ الضمائر.

فنحن عندما عاشوراء، لا وانما نحيها لترسيخ قيمه ومبادئة التي تحينا، ونحتاجها في زمنٍ طُمست فيه معاني الحق، وصار السكوت شجاعة، والوقوف مع المظلوم تهمة.

ولذا فاحياؤها ليس طقسٍ نكرره، بل ذاكرةٍ ترفض النسيان، وتوقظ فينا الحمية والغيرة على دينٍ انتهكت قيمه وجُعلت مطيةً للسلطان.

الخلاصة:
عندما ينبهر بتضحية الحسين خصومه وأعداء دينه، فلماذا يستهين بها من ينتسب إليه؟
فماذا رأى الغرب في الحسين ولم يره من ينتقد إحياء عاشوراء
ولربما هو يظن أنه ينتقد مذهبًا، والحقيقة أنه ينتقد ضميرًا حيًا يرفض أن يموت.
لذلك فلندعهم وما يقولون.. فالذاكرة التي تبكيها السماء والأرض باستمر ، محال أن يطفئها كلامٌ مقزز ووعي مغيب.