الخميس - 10 سبتمبر 2026

دموعٌ تهزُّ العروش.. وعاشوراءُ التي تُسقطُ الطغاة..!

منذ 3 أشهر
الخميس - 10 سبتمبر 2026

أ. محمد البحر المحضار ||

 

 

 

في كل عام، وما إن يُطلَّ هلالُ شهر الله المحرَّم، حتى تُرفع راياتُ الحزن في الأرض وتُفتح في السماء دفاترُ الوفاء.

وفي كل مرة يتوهم أعداء هذه الأمة أن البكاء على الحسين عليه السلام مجرد طقس عاطفي عابر، تأتي الوقائع لتصفع أوهامهم وتثبت أن كربلاء لم تكن حادثة تاريخية انتهت قبل أربعة عشر قرناً، بل مشروعاً حضارياً متجدداً يصنع الرجال، ويؤسس للثبات، ويُخرج من بين الدموع رجالاً لا يعرفون الانكسار، ومن بين المآتم أمةً تأبى الذل والهوان.

ومع إطلالة الليلة الأولى من شهر محرم الحرام لعام 2026، وفي ذروة التحولات الميدانية والإستراتيجية التي تشهدها المنطقة، يقف العالم أمام مفارقة كبرى يعجز المنطق المادي المجرد عن تفسيرها؛ ففي الوقت الذي تستعد فيه المجالس الحسينية لإحياء ذكرى الفاجعة الكبرى، كانت جبهات محور المقاومة تسجل تحولات نوعية وانتصارات ميدانية وسياسية أرغمت قوى الهيمنة والاستكبار على إعادة حساباتها والانكفاء أمام معادلات جديدة فرضها الصمود والثبات والإرادة.

إن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تؤكد أن ما تحقق من إنجازات سياسية وعسكرية لإيران ومحور المقاومة وحزب الله في لبنان لم يكن نتاج صدفة تاريخية أو مناورات سياسية عابرة، بل ثمرة تراكمية لمدرسة كاملة في التضحية والفداء؛ مدرسة محمدية علوية حسينية صنعت من الإيمان قوة، ومن الصبر عزيمة، ومن المظلومية طاقةً للتحرر والانتصار.

لقد أثبتت الوقائع أن اليد التي تربت في مدرسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قادرة على كسر شوكة مشاريع الهيمنة والتغلب على أدواتها، وأن الصمود في الميدان ينعكس مباشرة على طاولات التفاوض، فتتحول التضحيات إلى معادلات سياسية، ويتحول الثبات إلى قوة ردع، وتصبح الإرادة المؤمنة رقماً صعباً في معادلات الإقليم والعالم.

وهنا يكمن الجواب المفحم لكل من اعتاد السخرية من شيعة محمد وآل محمد عليهم السلام، ووصفهم بأنهم لا يجيدون إلا الندب واللطم والبكاء والحزن.

إن هؤلاء القاصرين عن فهم فلسفة عاشوراء لا يدركون أن الدموع التي تُذرف على الإمام الحسين عليه السلام ليست دموع ضعف، بل دموع وعي وانتماء وولاء، وهي الوقود الروحي الذي يصنع عقيدة التضحية، ويربي النفوس على الصبر والثبات ورفض الظلم والانتصار للمستضعفين.

إن أولئك الذين يبكون في المجالس هم أنفسهم الذين يثبتون في الميادين؛ قلوبهم رقيقة في حب آل البيت عليهم السلام، ولكن إرادتهم صلبة في مواجهة الطغيان.
يبكون الحسين وفاءً، ويقفون في وجه الظالمين إباءً، ويجسدون في سلوكهم حقيقة المدرسة الحسينية التي تصنع الإنسان الرحيم في السلم، والأسد المقدام في ساحات المواجهة.

لقد بكينا على الحسين حزناً، فأبكينا أعداء الأمة خوفاً وانكساراً، وبكينا وفاءً للمظلومية، فكان جزاء ذلك أن وقف المستكبرون أمام إرادة المؤمنين عاجزين عن كسرها أو تطويعها.

ومن قلب هذه الحقيقة، نوجه رسالتنا إلى بعض المنتقدين في اليمن وغيرهم ممن يهاجمون شيعة أهل البيت وأنصار الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، في كل عام،وفي كل محفل، وفي كل مناسبه، ويختزلونهم في صورة سطحية لا تتجاوز مظاهر الحزن والعزاء.

نقول لهم بكل هدوء وثقة: إن هذا البكاء الذي تستخفون به هو الذي أنجب رجالاً غيروا موازين القوى، وصنعوا معادلات الردع، وأثبتوا أن الأمة التي تحفظ مظلوميتها وتحيي ذكرى شهدائها لا يمكن أن تستسلم أو ترضخ للهيمنة.

فمن يبكي إماماً قُتل مظلوماً، لا يقبل أن يكون تابعاً لظالم.
ومن يواسي آل البيت بدموعه، يملك في الوقت نفسه إرادةً صلبة ترفض الذل والهوان.

والآن… فلتصمت الأفواه المريضة، ولتخرس الألسن السفيهة، ولتكفَّ الأقلام المتعجلة عن سخريتها الساذجة واستهزائها العقيم. وليكف أصحاب القلوب المريضة والأنفس الحاقدة عن محاكمة أمة من خلال دموعها، فإنهم لم يدركوا بعد أن هذه المجالس هي التي خرّجت رجال الصدق والإخلاص والثبات والجهاد والاستبسال.

ولْيلملم الحاقدون خيبة ظنونهم وعار أحكامهم المتسرعة، وليتركوا شيعة محمد وآل محمد عليهم السلام يقيمون عزاءهم ويحيون شعائرهم ويمارسون طقوسهم الدينية التي تعلموا منها صفاء النية، وصدق الانتماء، والإخلاص في العمل، والثبات على المبادئ، والاستعداد الدائم للتضحية في سبيل الله والحق والكرامة.

وفي السياق ذاته، نوجه رسالة واضحة لكل فاسد أو متنفذ أو متسلط يتستر خلف الشعارات الثورية ويحتمي بمظلة الدولة أو المسيرة القرآنية ليمارس الظلم والإقصاء والتهميش ومصادرة حقوق الناس:

إن هؤلاء لا يمثلون المشروع القرآني ولا يعبرون عن جوهره، ولا يمتّون بصلة إلى النهج الذي يدعو إليه سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله، وإن المسيرة براء من ممارساتهم كما برئ الذئب من دم يوسف.

إن المجاهدين الصادقين الذين ثبتوا في الميادين وقدموا التضحيات الجسام هم الامتداد الطبيعي للخط المحمدي العلوي الحسني الحسيني، وهم أنصار الله الحقيقيون الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الدين والوطن والكرامة.

أما الذين اتخذوا من السلطة وسيلةً للفساد ومن النفوذ أداةً لقهر الناس والتضييق عليهم، فإنهم لن يستطيعوا النيل من طهارة هذه المسيرة المعمدة بدماء الشهداء، ولن تنجح أساليبهم في كسر إرادة الأحرار أو مصادرة أصوات المخلصين.

فالأمم التي تتربى في مدرسة كربلاء لا تُهزم، والشعوب التي تحفظ عهد الحسين لا تنكسر، والرجال الذين يتربون على ثقافة «هيهات منا الذلة» لا يمكن أن يخضعوا لطاغية أو يركعوا لفاسد أو يساوموا على المبادئ.

أما بعد…
فإن محرم ليس شهراً للبكاء فحسب، بل موسمٌ لتجديد العهد مع الله، وتجديد البيعة مع الحسين، وتجديد الالتزام بقيم الحق والعدل والكرامة.

وإن دموع كربلاء لم تكن يوماً عنوان ضعف، بل كانت ولا تزال النهر الذي يروي شجرة المقاومة، والوقود الذي يبعث في الأمة روح الصمود، والسر الذي يحول المآتم إلى ميادين، والدموع إلى مواقف، والعزاء إلى مشروع حضاري يرفض الظلم ويقاوم الاستكبار.

فدعوا أهل الحسين لحسينهم، ودعوا عشاق كربلاء لدموعهم ومجالسهم وشعائرهم، فإن التاريخ أثبت مراراً أن الأمم التي تبكي الحسين لا تموت، وأن الرجال الذين يربون أبناءهم في مدرسة عاشوراء قد تنحني أمامهم قوى الأرض، ولكنهم لا ينحنون إلا لله.
رفعت الجلسة…

*#البحر_المحضار …*