معادلة الوصول والفوز..!
كوثر العزاوي ||

أيُّها الشهيد…
علِّمني معادلة الوصول، كيف عبرتَ هذا العالم الغليظ بخفّةِ روحٍ وطمأنينةِ قلب، في وقتٍ اكتظّ الطريقُ فيه بالعقبات وحُفَّتِ الدنيا بالشهوات التي تحول دون بلوغ الأهداف!
أفهِمني… كيف استطعتَ أن تهزم تعبَ الجسد وحاجاته، وتنتصر للروح؟ كيف جعلتَ من الصبر جناحين، ومن التحدّي سُلّمًا نحو الله؟، وكيف أقنعتَ العروجَ بصدق شوقك حتى بسط بُراقه، فحملَكَ نحو سماء الله؟!.
وكم كان حجمُ قلبك حين اتّسع لكل هذا الألم دون أن ينكسر أو يتراجع!
أيُّها الشهيد…
هلّا علّمتني أورادَ لَيلكَ، وأذكارَ نهارك؟ هلّا أوصلتَني بمطايا وصولك لتأخذني معك؟ وحقّك، لقد شاخت خُطاي، ولم تعد تحملني قدماي، وصحراءُ دنياي ما زالت قاحلة، لا ظلَّ فيها إلّا أطيافكم والذكريات، ولا ماءَ إلّا الدموع وبقايا همهمات.
فما عساي أقول؟ إذ كلّما اقتربت كلماتي من مقامك ارتجفت، كأنها تخشى أن تُقصِّر أمام هذا النور المتسرْبل بالشهادة.
بالله عليك… أيُّ سرٍّ أودعه الله في دمك أيها الشهيد، كي يبقى حيًّا في وجدان الناس؟ وأيُّ طُهرٍ هذا الذي يجعل من الذكرى عبادة، ومن الحنين إليك صلاةً خفيّةً لا تنقطع؟
أراك في الذاكرة لا كغائبٍ أُرثيه، ولا حاضرًا أفديه، بل طيفًا يرفرف مع النسمات، يملأ الأفق سكينةً وكبرياء.
وحتى نبراتُ صوتك جرسُ بشيرٍ ونذير، وفي خُطاك أثرٌ يدلّني كلّما ضلّت خُطايَ المسير.
وفي كل يوم صرتُ أبحث عن أثرِ قدمَيْ شهيدٍ، لأتعلّمَ كيف كان يمشي قبل أن يستشهد، ولم تضق به الأرض بما رحبت، وكيف كان يبتسم وفي قلبه ألفُ حرب.
وبينما كان الناس يتسابقون إلى ما يفنى، كان هو قد اكتشف طريقًا آخر إلى الفوز، طريقًا يمرّ عبر التضحية والإيمان، فسبقهم إلى الخلود ونال وسام الشهادة.
فقد قرأ الحياة بعين البصيرة لا بعين البصر، فعرف من أين يُؤتى الفوز، وسلك أقصر الطرق إلى الله، فكان ختام رحلته شهادةً تزيّنت بها روحه وتسامى شأنه.
فيا أيها الراحل نحو الله، مرحى لدمائك التي استحالت نورًا نستنير به، وطوبى لروحٍ امتطت بُراق العشق فوصلت، فذا عطرُ دمك تِرياقٌ للأرواح، واسمُك تسبيحةُ ذكرٍ لا يخفت صداها في القلوب.
ويبقى العزاء.. أنّ الشهداء لا يموتون، بل يتخفّفون من ثقل عوالم المادة، ليطلّوا أطيافًا من علياء الملكوت، يؤانسون أرواحًا أتعبها الفقد والانتظار، فيصيرون أقرب إلى القلوب التي ما برحت تسكنها ذكراهم رغم الغياب.
ويتركون لنا من الكبرياء ما يعيننا على البكاء واقفين ثابتين.
فسلامٌ عليك شاهدًا وشهيدًا، سلامٌ عليك يوم حملتَ روحك على كفِّ الإخلاص، ويوم ارتقيت خفيفًا محلّقًا نحو الله، ويوم تُبعث حيًّا في ذاكرة التاريخ وقلوب المؤمنين.
٢٥-ذو الحجة-١٤٤٧هـ
١١-حزيران-٢٠٢٦م




