الجمعة - 03 يوليو 2026

في العراق، لم تعد السيارة وسيلة نقل… بل صكّ إثبات وجود..‍

منذ شهرين
الجمعة - 03 يوليو 2026

سعيد ياسين موسى ||

 

أنت لا تسأل العراقي: “شلونك؟” بل تسأله: “شنو تركب؟”
فإن قال لك “كيا” تنظر له بشفقة إنسانية، وإن قال “تاهو” تقف تلقائياً باحترام وكأنك أمام قائد فرقة مدرعة، أما إذا نزل من “لاندكروزر جكسارة” فهنا يجب أن تفسح له الطريق حتى لو كان ذاهباً يشتري بيبسي .

العراق حالياً ليس دولة تعاني من أزمة مرور… بل معرض سيارات مفتوح مع شعب تائه في داخله.

اصبحنا نمتلك من المركبات ما يكفي لغزو دولة صغيرة:
نسبة كبيرة من الأسر الأب بسيارة، والأم بسيارة، والابن الجامعي بسيارة، والابن الراسب منذ 2019 بسيارة، وحتى الطفل الذي ما زال يلفظ الراء غيناً ينتظر أبوه أن يبلغ حتى “يشتريله هم سيارة ”.

المشكلة هنا مو بس بعدد السيارات فقط، لا بل بالعلاقة العاطفية المرضية معها.
البعض لا يقود السيارة… وانما يتزوجها مع وقف التنفيذ.

يغسلها أكثر مما يغسل وجهه، يشتري لها عطر “فواح”، وهو ما شايف العطر يفرش لها سجاد وهو نايم عالگاع، ويوگفها تحت الظل وهو یوگف جوه الشمس عادي ! اهم شي سيارتي .

أما المسؤول، فقصته مأساة ما بدو رحل .
إذا صار مدير لای شي ، يشتري فوراً سيارة سودة واذا عنده معارف بوزارة الإسكان يضللها حتى يضمن محد يشوفه ويكلفه على فتح مضيق هرمز .

أما الوزير، هنا الشغلة تكبر جدا ! لازم يتحرك برتل كامل:
سيارة مصفحة اله ، وسيارتان للحماية، وثالثة للهيبة، ورابعة حتى لا يشعر المواطن أن الدولة فقيرة.
وأحياناً الرتل كله يذهب لشراء “كيكة عيد ميلاد حمودي ابنه ” ابن وزیر قابل لعبه …
ثم نأتي إلى أعظم اختراع عراقي في التاريخ الحديث:

“والله ضايج وكاعد أفتر”.
يفتر وين ؟
يفتر علينا جميعاً.
يفتر على الشوارع، على الجسور، على أعصاب الناس، وعلى البيئة التي استسلمت منذ سنوات ورفعت الراية البيضاء.

في أي دولة بالعالم حين يشعر الإنسان بالضيق يتمشى قليلاً ليستنشق الهواء…
أما عندنا فيحرق تانكي بانزين حتى “يعدل مزاجه او تعدل مزاجها کذلک ایضا ”.

العراق يستهلك يومياً ملايين اللترات من البنزين والكاز، ليس بسبب الحاجة الفعلية، بل لأن نصف الشعب يمارس رياضة “اللف والدوران”.

كل سيارة تطلق حرارة وعوادم وتلوثاً يكفي لشوي الكيان الغاصب، ثم نتساءل لماذا الصيف صار يشبه باب جهنم الاحتياطي.

والأطرف أن المواطن يرفض المشي رفضاً قاطعاً.
إذا كان فرن الصمون يبعد خمسين متراً، يذهب بالسيارة.

وإذا اضطر للمشي دقيقتين يبدأ بالتأوه كأنه عبر صحراء الربع الخالي.
ثم بعد سنوات يبحث عن علاج للسكر والضغط والدهون والمفاصل، بينما جسده آخر مرة تحرك فيها كان يلاحق “الريموت”.

في دول كثيرة، العائلة تمتلك سيارة واحدة تكفي الجميع:
الأب يوصل الأولاد للمدارس، الزوجة للعمل، ثم يذهب لعمله.
أما عندنا، فكل فرد يريد استقلاله السيادي الكامل وكأنه دولة عضو في الأمم المتحدة.
ثم نلعن الحكومة صباح مساء بسبب الاختناقات المرورية.

أي اختناقات يا حبيبي؟
الشارع نفسه صار يحتوي على:
سيارات، تكاتك، دراجات، دلفري، عربانات، باصات، ورجل يبيع شاي واقف بالنص وكأنه نقطة سيطرة.

أما الدلفري، فقد تكاثر بطريقة تجعل علماء الأحياء في حيرة.
إذا رميت حجرًا في أي شارع بالعراق فإما أن يصيب سيارة “دلفري” أو شاباً يحمل وجبة صاج كأنه في مهمة لإنقاذ البشرية من المجاعة.

المشكلة ليست في الجسور ولا التقاطعات فقط…
المشكلة أننا حولنا السيارة من وسيلة نقل اضطرارية إلى تعريف طبقي ونفسي واجتماعي وعاطفي.

بات البعض يشعر أن كرامته تبدأ من حجم “البساتم ” وتنتهي بعدد “الزينونات”.
ولو استمر الوضع هكذا، فبعد عشر سنوات سيحتاج العراقي إلى سيارة حتى ينتقل من غرفة النوم إلى المطبخ.

وسنشهد أول طفل بالعالم يتعلم قيادة التاهو قبل تعلم الحروف الهجائية.
وفي النهاية، لو قررت الحكومة يوماً حل أزمة المرور، فالحل ليس ببناء جسر جديد فقط…

بل بوضع عبارة كبيرة عند مداخل المدن تقول:
“حبيبي… إذا ما عندك شغل، اكعد بالبيت… لا تفتر رحمة لابوك .”