الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ شهرين
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

محمد عبد الجبار الشبوط ||

 

 

لم يُقرأ القرآن الكريم في التاريخ الإسلامي بوصفه كتاب عقيدة وعبادة وتشريع فقط، بل قُرئ أيضاً بوصفه كتاباً للإنسان والتاريخ والمجتمع والعمران. فالقرآن لا يتحدث عن النجاة الفردية وحدها، وإنما يتناول حركة الإنسان في الأرض، وبناء الأمم، وصعود الحضارات وسقوطها، والصراع بين العدل والفساد، والعلاقة بين العلم والقوة والقيم والعمل.

ومن هنا فإن القرآن لا يحتوي على أحكام ومواعظ فحسب، بل يحتوي أيضاً على منظومة مفاهيم كبرى تشكل أساس رؤيته الحضارية للوجود والإنسان والتاريخ.

وهذه المفاهيم ليست مجرد ألفاظ لغوية متفرقة، بل شبكة مترابطة من المصطلحات التي تتحرك داخل بنية قرآنية واحدة، بحيث يفسر بعضها بعضاً، ويتكامل بعضها مع بعض، لتكوين رؤية شاملة للحياة والعمران الإنساني.
فالقرآن حين يتحدث عن:

الاستخلاف، والعمران، والإصلاح، والفساد، والتدافع، والتعارف، والقسط، والميزان، والتمكين، والطغيان، والاستكبار، والفلاح، والخسران، فإنه لا يستخدم هذه المفاهيم بوصفها تعبيرات وعظية معزولة، بل بوصفها مفاتيح لفهم حركة الإنسان والمجتمع والحضارة.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته:
“المعجم الحضاري للقرآن”.

وهو ليس معجماً لغوياً بالمعنى التقليدي، ولا تفسيراً موضوعياً بالمعنى الشائع فقط، بل محاولة للكشف عن البنية المفهومية الحضارية التي يقوم عليها الخطاب القرآني.

فالمعاجم اللغوية تهتم بشرح الألفاظ من حيث اللغة والاستعمال، بينما يهتم هذا المعجم بالكشف عن:

المعنى الحضاري للمفهوم، ووظيفته داخل الرؤية القرآنية، وعلاقته ببقية المفاهيم،
ودوره في بناء الإنسان والمجتمع والدولة والعمران.

إن القرآن في هذا الفهم لا يظهر بوصفه كتاب طقوس منعزل عن الحياة، بل بوصفه مشروعاً حضارياً متكاملاً لإنتاج الإنسان الصالح والعمران الصالح والمجتمع العادل.
ولهذا فإن هذا المعجم يمثل المدخل النظري والمفهومي لمشروع:

“التفسير الحضاري للقرآن”.
فإذا كان التفسير الحضاري يتتبع حركة المفاهيم داخل السور والآيات والقصص القرآني، فإن هذا المعجم يحاول أولاً تعريف تلك المفاهيم وبناء خريطتها الكلية.

ومن هنا فإن العلاقة بين المعجم والتفسير هي علاقة الأساس بالبناء، أو علاقة الخريطة بالحركة.

فالغاية ليست جمع الكلمات، بل إعادة اكتشاف الرؤية الحضارية الكامنة في القرآن الكريم، بوصفه كتاب هداية للإنسان، وكتاب وعي للتاريخ، وكتاب عمران للحياة.