ثمرة التوحيد..!
كوثر العزاوي ||

إنّ من أعظم ما يغرسه التوحيد في قلب العبد، هو: معرفة أن لا سعيد إلّا مَن أسعدَهُ الله “سبحانه وتعالى”، فهو مَن أسعَدَ وأشقى ومَن أضحكَ وأبكى ومَن أغنى وأقنى، وهو مَن يعطي ويمنع، لِعلمهِ بعاقبة الأمور.
وقد جعل الباري “عزوجل” مقابل تلك المعرفة، غريزة الحبّ التي أودَعها في خلْقهِ بأبعاد طهرها، لتكون هي القوة الجاذبة، الباحثة عن الحقيقة باتّجاه مراكز النور المنتشرة في محطات حركة البشرية، فقد تحلّ هذه القوة في قلبٍ، أو فكرٍ، أو انتماءٍ، أو مقامٍ، أو علاقة، أو غير ذلك من موارد النّور المنبثقة من أصل نور السموات والأرض (الله) جلّ جلاله.
وفي خضمّ ملابسات الحياة، تتأرجح المشاعر بين شوقٍ ووِصال، وحضورٍ وغياب، وفرحٍ يلوّح من بعيد، وألمٍ ينهش من قريب.
تمضي النفس بين إحجامٍ وإقدام، وبين تفاؤلٍ ينهض وإحباطٍ يجرّ خطاه.
ومع كل هذا التقلّب، يبدو عالَم الحبّ المزعوم، الذي أخذ بألبابِ كثيرٍ من الناس، كأرجوحة لا تستقرّ، تُلقي على ثغر الإخلاص ابتساماتٍ مجروحة، كأنّها تلمّح إلى خِدعةٍ خفيةٍ تُدعى “الحبّ”.
من هنا يأتي دور حب الله الذي تترشح منه رشحات عين الحياة، لتضع جذباتها صادقة فيما يُحبهُ الله، وتتنافر مع ما يبغضهُ الله، وتفرُّ عمن يبعدها عنه “عزوجل”.
إنّه حبّ الله، وثمرة معرفته وتوحيده، هو حبٌّ يمنح القلب طهرًا يرمّم ما تهدمهُ الأيام، وإذا سكن القلب في واحة الطهر، صار آمنًا من الفقد والاضطراب، لأنّ واهبهُ لا ينأى ولا يغيب.
وبذلك يتميز الحب الحقيقي ضمن المحور التوحيدي، ليكون هو الثمرة التي تُنجب شجرة وارفة أصلها ثابت، وفرعها باسق في السماء، تسقى بجداول الإيمان المتدفقة جمالاً وعطاءً وإخلاصًا، فتورق بالنور، وتثمر بالحق، وتُظِلّ أصحابها بظِلال التوحيد، ذات النسائم الرطبة، فتُسعَد النفوس، وتفيض الخواطرَ في قلوبٍ يمّمَت وِجهتها نحو الخالق العظيم، بهدف السير المستقيم، بأجنحة النور في سماء الملكوت، يناغمها لحنٌ ملائكي، يترنم بتقديس الخالق، في عبودية خالصة، وخضوع متناهي التسليم لا لَبس فيه ولاشبهة!.
فإذا سار المرء في أجواء طاعة الله “عزوجل”، ومضى في دائرة العيش، وفق حدود ما أٌنزل من الكتاب والنهج القويم، سيجد نفسه حرًّا واثقًا، يكرّس اهتمامه بتوجيه بوصلة قلبه بوعي ويقظة، ويحاول البحث في شغافه بتؤدة وأناة، مؤمنًا بالحصول على بذرة تربطه بحبهِ “سبحانه وتعالى” .
وحينئذ يدرك المرء، أنّ كل حبّ محوره “الله” لابد أنه مرتبط بمركز النور في الأرض، المتمثّل بوليّ الله الأعظم، راعي شؤون البشرية قاطبة ومحور الحب والبغض، الإمام المهدي “عجل الله فرجه”.
وعلى ضوء ماتقدم: ينبغي للمؤمن، أن يشغلَ لیلهُ ونهاره بضرورة توجيه بوصلة قلبه نحو مركز النور، ليكون كل وقته وشغله تحت ضمانة إمام الزمان “عجل الله فرجه” الشريف”، وهذه هي السعادة التوحيدية الحقيقية التي تهوّن علينا مصائب الدنيا وحاجات النفس، وتصغّر في عيوننا بهارجها وزيفها وخدع آمالها، وقد جاء في الرواية عن أمير المؤمنين”عليه السلام”:
{في حيرة عصر الغيبة سيثبُت على دينهم فقط الذين يأنسون بروح اليقين المباشر وبمولاهم وصاحبهم}
ويبقى القلب الغافل عن مصدر الحب، بين المدّ والجزر، قاصرًا عن التمييز بين حبّ يُزخرف اللحظة، وحبّ يُعمّر الروح، ويمدّها بلذة لا تنقضي، ويفعمها بنور لا يتلاشى.
٢٧-شوال- ١٤٤٧هـ
١٦-نيسان-٢٠٢٦م




