مجزرة “ميناب” تَعرِية لمنهج الاستكبار العالمي..!
كوثر العزاوي ||

في خضمّ التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة يقف العالم اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث.
وفي هذا السياق، برزت المواجهة بين جبهتين تمثل في واقعها الصريح صراعًا بين الحق والباطل، بين الاستكبار الصهيوأمريكي من جهة، ودولة إيران الإسلامية من جهة أخرى، بوصفه صراعًا خطيرًا تُختبر فيه موازين القوى، غير أن هناك مبدأً ينبغي أن يظلّ ثابتًا لا يتزعزع هو:
إنّ حياة المدنيين، ولا سيّما الأطفال والنساء، ليست جزءً من معادلة الحرب، فحينما تُستباح الطفولة، لا يكون العالم أمام حربٍ وحسب، إنما أمام انهيارٍ أخلاقي يطال جوهر الإنسانية ذاتها.
لقد جاءت مجزرة طالبات مدرسة ميناب، في أول اعتداء أهوج تجسّدَ فيه الانهيار الأخلاقي بأقسى صوره لدى أمريكا واللقيطة اسرائيل.
فالأطفال الذين خرجوا إلى مدارسهم حاملين أحلامهم الصغيرة، لم يكونوا طرفًا في نزاع، ولا امتلكوا قدرةً على فهمه أصلًا ليباغتهم الموت مع نساء معلمات مربيات تحت وطأة القصف الأمريكي الأهوج، فبلغ العدد مايقارب ال٢٠٠ أو يزيد، ليؤكد وحشية وعجز العدو الصهيوأمريكي
إنّ استهداف مؤسسة تعليمية، بما تمثّله من رمزٍ للمعرفة والحياة والمستقبل، لا يمكن تفسيره ضمن أي منطق عسكري مشروع، بل يندرج في سياق الاعتداء الصريح على البراءة الإنسانية.
كما لا يقف مثل هذا المشهد عند هذا الحدّ، إذ تتكامل المأساة مع ما طال من الأحياء السكنية والمرافق الصحية والمدنية في عدد من المناطق الإيرانية.
وهذه كما هو معلوم، مراكز تتمتع بحمايةٍ خاصة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، وإنّ المساس بهذه المنشآت المدنية الرسمية، لا يُعدّ خطأ في التقدير ولا استهدافًا عشوائيًا، إنما يمثل انتهاكًا جسيمًا للقواعد التي سعت البشرية إلى ترسيخها لتخفيف ويلات الحروب.
لقد أرست اتفاقيات جنيف إطارًا قانونيًا واضحًا، يهدف إلى حماية المدنيين في الحروب، مؤكدةً على مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية وغير العسكرية، وعلى ضرورة استبعاد الفئات الأضعف عن دائرة القتال. وبموجب هذه القواعد، فإن استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر يُصنّف “كجريمة حرب” تستوجب المساءلة، ويُعدّ اختراقًا للقانون الدولي لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
إن التركيز على الطفولة التي أُزهقت في “مدرسة ميناب” ليس استدرارًا للعاطفة بقدر ما هو تأكيدٌ على مسؤولية أنسانية وقانونية مشتركة ينبغي ملاحظتها، وإنّ دماءهم تمثّل خطًا أحمرًا لا يمكن تجاوزه، وأي انتهاك لهذا الخط هو إخفاقٌ للمنظومة الدولية بأسرها.
ومن جهة أخرى، تُفيد المعطيات التي لم تخفَ على أحد، بأنّ الجمهورية الأسلامية، لم تكن البادئة بهذه الحرب المفروضة، وأنها ومنذ الاعتداء على أراضيها، تمارس حقها المشروع في الدفاع عن أراضيها وسيادة بلدها، والرد بقوة عن شعبها ومؤسساتها، وهو حقٌّ معترَف به في إطار القانون الدولي.
كما تشير البيانات والمعطيات الواضحة، إلى أن العمليات العسكرية من قبل قوات الجيش والحرس الثوري الإيراني، تتركّز على استهداف المواقع العسكرية دون المرافق المدنية، في محاولةٍ للالتزام بقواعد الاشتباك التي يفرضها القانون الدولي والعرف الإنساني، رغم ما تفرضه ظروف الحرب من تعقيداتٍ ميدانية.
غير أن هذا السياق رغم أهميته، لا يُسقط بأي حالٍ من الأحوال ضرورة الالتزام الصارم بحماية المدنيين، ولا يخفّف من جسامة الانتهاكات التي طالت عمليات اغتيال لقادة كبار وفي مقدمتهم سماحة الولي الفقيه والقائد الأعلى للدفاع، السيد”علي الخامنئي” قدست نفسه الزكية.
فالقانون الدولي لا يسمح حسب السياق، بأن تكون حماية الإنسان رهينةً لاعتبارات القوة أو الضرورة العسكرية.
إن ما يجري اليوم يُمثّل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام العالم بالقيم التي طالما تغنى بها الغرب مدّعيًا ضرورة صون الكرامة الإنسانية وحماية الحياة.
فالحروب قد تنتهي، وتُعقَد الاتفاقيات، لكن الذاكرة الإنسانية لا تنسى صور الفتيات كبراعم الزهور وهنّ يتساقطن مضرجات بالدماء في غمرة السعادة والاصغاء أثناء الدرس، فلا يمكن لأي مبرر أن يمحو أثر تلك المأساة والنكبة الإنسانية.
وعليه، تبقى حماية الطفولة واجبًا لا يقبل المساومة، وللجمهورية الإسلامية حق المطالبة بمحاسبة المجتمع الدولي لمخالفته قوانين الحماية، وإن مأساة “ميناب” بما تحمله من خرق إنسانيّ ومأساة كبيرة، ينبغي أن تكون جرس إنذارٍ يدعو إلى إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان الذي يجهلها أعداء البراءة والإنسانية، عندما تعرّى منهج الشيطان الأكبر وربيبه الكيان الغاصب منذ فضيحة (جزيرة أبيستين) الذي أوضحت وسائل إبادة الطفولة لأجل تحقيق مآربهم الحيوانية، مقابل صمت المجتمع الدولي وحقوق الإنسان.
١٣-شوال-١٤٤٧هـ
٢-نيسان-٢٠٢٦م




