في روما القديمة هناك ما يُعرف بسياسة “الخبز والألعاب”..!
إيليا إمامي ||

في روما القديمة هناك ما يُعرف بسياسة “الخبز والألعاب” (باللاتينية: Panem et Circenses)، وهي استراتيجية سياسية عبقرية ومرعبة في آن واحد، استخدمها قياصرة روما للسيطرة على الجماهير.
إليك التفاصيل وكيف يمكن إسقاطها على الواقع الحالي:
1. المسرح الروماني: “الخبز والألعاب”
لم يكن “الكولوسيوم” أو المسارح الرومانية مجرد أماكن للفن، بل كانت أدوات ضبط اجتماعي.
* المبدأ: آمن القياصرة (مثل أغسطس وتراجان) أن الشعب إذا شبع بطنه وامتلأ وقته بالتسلية، فلن يفكر في “السياسة” أو “الثورة”.
* الخبز: كانت الدولة توزع القمح مجاناً أو بأسعار زهيدة على الفقراء (التموين الروماني).
* الألعاب: كانت تقام مباريات المجالدين (Gladiators) وسباقات العربات مجاناً. كانت هذه الألعاب تتسم بالعنف الشديد لضمان “تفريغ الشحنات الغاضبة” لدى الجمهور في مشاهدة الدم بدلاً من توجيهها ضد القصر.
* الهدف: تحويل المواطن من “فاعل سياسي” يطالب بحقوقه، إلى “متفرج” ينتظر الوجبة التالية والعرض القادم.
2. هل ينطبق هذا على العراق؟
إذا نظرنا بـ “عين اجتماعية” فاحصة، سنجد أن أدوات “التلهية” تطورت لكن الجوهر ظل ثابتاً. في العراق، يمكن ملاحظة تجليات هذه السياسة في عدة صور:
* كرة القدم كـ “مخدر” وطني: نجاحات المنتخب الوطني أو استضافة البطولات (مثل خليجي 25 في البصرة) تُحدث حالة من “التخدير الجماعي” المؤقت. ينسى الناس للحظات غلاء الأسعار، ونقص الخدمات، والفساد، وينغمسون في نشوة النصر. السلطة غالباً ما تستثمر هذه اللحظات لترميم صورتها.
* صناعة “الترند” والسجالات الهابطة: إشغال الرأي العام بقصص “البلوجرز” والمشاهير، أو افتعال أزمات اجتماعية تافهة على مواقع التواصل، يعمل عمل “المسرح الروماني”. وبينما يتصارع الناس حول قضية تافهة، تمرر قرارات اقتصادية أو سياسية مصيرية بهدوء.
* التوظيف الحكومي كـ “خبز”: الاعتماد المفرط على الوظائف الحكومية (الرواتب) يعمل كآلية لربط مصير المواطن ببقاء المنظومة الحالية. الخوف من فقدان “الخبزة” يمنع الكثيرين من المطالبة بتغيير جذري، تماماً كما كان الروماني يخشى انقطاع قمح القيصر.
المفارقة التاريخية:
يقول المؤرخ الروماني “يوفينال” الذي صاغ هذا المصطلح:
“الشعب الذي كان يمنح القادة السلطة والجيوش وكل شيء، أصبح الآن يقيد نفسه بقلق، ولا يتمنى سوى شيئين: الخبز والألعاب!”




