حقائق من حرب أمريكا والكيان ضد ايران..!
عادل الجبوري ||

سواء كانت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي اندلعت صباح الثامن والعشرين من شباط-فبراير الماضي، في بداياتها او في نهاياتها، فهي كشفت عن جملة حقائق ومعطيات، لايمكن بأي حال من الأحوال التغاظي عنها او القفز عليها، لان مشهد الاحداث بات مفتوحا، ومتاحا لكل الأطراف القريبة منها والبعيدة، ان تتابع وتراقب وتتأمل فيه، بصرف النظرعما اذا كانوا أعداء وخصوما لهذا الجانب، او حلفاء وأصدقاء لذاك.
في هذه الحرب، وحرب الاثنى عشر يوما السابقة في حزيران-يونيو 2025، حددت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الكيان الصهيوني، عدة اهداف رئيسية استراتيجية، ابرزها تدمير البرنامج النووي الإيراني، ومنع طهران من امتلاك أي أسلحة نووية، وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والقضاء على محور المقاومة.
وبعد ان وضعت حرب الاثنى عشر يوما اوزارها، روج الاميركان والصهاينة، جملة أوهام واكاذيب، من قبيل انهم نجحوا في تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وقضوا على قوى محور المقاومة وحيدوها، وباتت مهمة تغيير النظام في طهران يسيرة اكثر من أي وقت مضى. وبالفعل عملوا على ذلك، من خلال تحريك بعض المجاميع الإرهابية في الداخل الإيراني، وتقديم الدعم المالي والاستخباراتي والإعلامي لها، على امل تمكنها من اثارة الشارع وبث الاضطراب والفوضى، بيد ان ذلك لم يحصل، وجاءت النتائج معاكسة تماما لما كانت تتمنى وتطمح دوائر التخطيط في واشنطن وتل ابيب وعواصم أخرى.
ولعل الحرب الحالية، كشفت منذ ساعاتها وايامها الأولى الكثير من الخداع والتضليل الأميركي-الصهيوني، ناهيك عن التقديرات الخاطئة التي استندت الى التمنيات الواهية اكثر من احتكامها الى الواقعيات الحاكمة.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان قد ادعى قبل بضعة شهور ان جيشه دمر كل المنشات النووية الإيرانية، وساواها مع الأرض، عاد ليقول في تبرايراته لشن الحرب مرة أخرى، “ان ايران كانت على وشك تصنيع أسلحة نووية”!.
ولمرات عديدة، ادعى ترامب، ومعه رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ان استهداف وتصفية رأس النظام الإيراني، ويعنيان قائد الثورة الإسلامية، اية الله العظمى السيد علي الخامنئي، يمكن ان يكون بداية النهاية لذلك النظام، وبالفعل، بدأت واشنطن وتل ابيب حربهما الأخيرة بالسعي وراء اغتيال السيد الخامنئي، ونجحت في ذلك، لكن مرة أخرى، اثبتت الوقائع والاحداث، خطأ قراءاتهما، لانهما كانا يفترضان ان غياب الخامنئي عن المشهد، سيفتح كل الأبواب على مصاريعها للفوضى والاضطراب، التي ستمهد سريعا لانهيار كل اركان وركائز النظام، كما حصل سابقا في العراق ودول أخرى، مثل تونس ومصر وسوريا واليمن وغيرها.
الصادم لمراكز القرار في واشنطن وتل ابيب، ان اغتيال السيد الخامنئي، بدلا من ان يفضي ويمهد لانهيار النظام، فإنه زاده تماسكا واندفاعا وحماسا للمواجهة، وهذا ما اربك حسابات ترامب ونتنياهو كثيرا، لاسيما مع بدء مرحلة الاستنزاف، والتململ والاستياء لدى الأوساط الشعبية والمحافل السياسية الأميركية والإسرائيلية، ناهيك عن حلفاء وأصدقاء واشنطن وتل ابيب في منطقة الشرق الأوسط واوربا.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قالت السيناتور الاقدم في مجلس الشيوخ الأميركي، السياسية والأكاديمية، اليزابيث وارن، قبل أيام، “خرجت من احاطة سرية بشأن ايران والامر أسوأ مما تعتقدون، هذه الحرب مبنية على أكاذيب، وإدارة ترامب ليس لديها خطة في ايران، وان ترامب لم يقدم لنا سببا واحدا للحرب، ويبدو انه لايمتلك أي تصور واضح لكيفية انهائها”. بينما يقول السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، “جوابنا على طلب ترامب تمويل الحرب هو الرفض”!.
بينما تقول صحيفة واشنطن بوست الأميركية الواسعة الانتشار، “تستنزف وزارة الدفاع -البنتاغون-بسرعة مخزونها من الأسلحة الدقيقة بعد اقل من أسبوع على بدء الحملة ضد ايران، الحملة استهلكت الاف الصواريخ باهضة الكلفة للدفاع الجوي وغيرها من الذخائر المتطورة”، هذا في الوقت الذي تردد وسائل الاعلام الإسرائيلية بأنه “لايوجد أي مؤشر حتى الان على انهيار النظام في ايران او تفككه”.
وبخصوص الكلف المالية الثقيلة للحرب، يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن الى “ان تكلفة الحرب على ايران تبلغ يوميا 891.4 مليون دولار”، أي حوالي مليار دولار في كل يوم!.
في واقع الامر، لم تعتد الولايات المتحدة الأميركية ولا الكيان الصهيوني على خوض حروب طويلة الأمد، وهما غالبا ما يخططان لحروب خاطفة تحقق النتائج المطلوبة، لان الحرب اذا طالت وامتدت، فإنها ستكشف كل العيوب والاخطاء والثغرات، وبالتالي تأتي بالنتائج العكسية.
والأخطر من هذا وذاك، ربما لم يكن في حسبان الولايات المتحدة، ان ايران يمكن ان توسع نطاق الحرب جغرافيا، فيما اذا وجدت نفسها قد اقحمت فيها وجرّت اليها، ومعظم الساسة والقادة العسكريين في واشنطن، كانوا يفترضون ان الإيرانيين يهددون ويلوحون ولن يتجرأوا على مهاجمة المصالح والأصول الأميركية في المنطقة. بيد ان ما حصل هذه المرة، جاء خارج نطاق التوقعات الأميركية تماما، والا كيف تجرأت ايران على مهاجمة القواعد العسكرية في دول الخليج والمنطقة، والحقت بها خسائر غير مسبوقة”، وكيف أرغمت حاملات الطائرات والبوارج الأميركية الضخمة على التراجع، بعد ان كانت تشكل مبعث اطمئنان وارتياح لحلفاء واشنطن واصدقائها؟.
المفارقة التي كشفت عنها الحرب، ان الولايات المتحدة الأميركية بقواعدها العسكرية الضخمة واساطيلها المجهزة بالاف الجنود واحدث الأسلحة، عاجزة عن حماية مصالحها ووجودها، فكيف لها ان تحمي حلفائها بعد ان باتت تبحث عمن يحميها وعمن يسندها بالسلاح والعتاد؟.
لن تظهر وتنكشف وتتضح كل تداعيات واثار الحرب الحالية خلال وقت قصير، فالامر يحتاج الى المزيد من الوقت، حتى بعد ان تضع الحرب اوزارها، ولكن ما هو واضح جدا، ان الولايات المتحدة لن تستطيع إخفاء نقاط ضعفها وعوامل هشاشتها بعد الان، والكيان الصهيوني لن يهنأ في العيش بأمان حين يكتشف ان ايران خرجت من الحرب وهي اقوى مما كانت عليه قبلها، ويكتشف ان حزب الله اللبناني لم يضعف ولم ينهار بعد تصفية اغلب قياداته قبل اقل من عامين.
خلاصة القول، هذه الحرب تحتم على الجميع مراجعة مواقفهم وامكانياتهم وسياساتهم، وأعادة ترتيب اوراقهم على ضوء الحقائق والمعطيات الجديدة.




