وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: “وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿النساء: 75﴾.
ما هو موقفُ المؤمن إذا كان هناك من يطلب نصرته فلا ينصره؟ وكيف يعتذر إلى الله تعالى وإلى إنسانيته وضميره إن هو خذل الذين يستصرخونه من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا ناصر لهم ولا معين، وهم يرزحون تحت نير الظلم والعدوان، ويُمارَس عليهم القتل والتعذيب، وتُسلب منهم ممتلكاتهم وأراضيهم، ويُمنَعون من حقوقهم؟!
الآيةُ الكريمة تجيب على هذا السؤال، وتقول بلسان المنكر المتعجِّب: ما الذي يُقعِد المؤمنين عن الجهاد، ويصرف وجوههم عنه، وبين أيديهم أسبابه قائمة، ودواعيه مجتمعة؟
فهؤلاء الظلمة الطغاة يتسلطون على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يستطيعون دفع العدوان، ولا يقدرون على الإفلات من هذا العذاب المُسلَّط عليهم، وليس لهم إلا الضراعة إلى الله، واللجأ إليه أن يُخلِّصهم من هذا البلاء، وأن يسوق إليهم من رحمته جندًا من جنده، وعبادًا من عباده، ينتصرون لهم، ويدفعون يد العدوان عنهم!
إن المروءة الإنسانية –قبل الدين– تقضي بأن يخفَّ أهل النجدة والنخوة إلى استنقاذ المستضعفين الذين تسلَّط عليهم الطغاة المجرمون والقتلة السَّفّاحون، فضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت، وهم يلقَون ما يلقَون من عنَتٍ وعناءٍ وظلمٍ وجور.
إن كلَّ إنسانٍ أبيٍّ حرٍّ يحترم إنسانيته ويحتكم إلى ضميره، فضلًا عن المؤمن بالله، إلى أي دينٍ انتمى، ناهيك عن المسلم والمؤمن، مُطالَب –إنسانيًا ودينيًا وأخلاقيًا– بأن يجاهد لخلاصهم، وأن يستشهد في سبيل الحق الذي استمسكوا به وأوذوا بسببه.
وإن قيامه بهذا الواجب، فضلًا عن كونه واجبًا، هو توفيق من الله تعالى؛ الله يصطفيه لهذا الدور الأهم في حياة الإنسانية. ويشير إلى ذلك قوله تعالى في نفس الآية:
“وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا”، فهذا المقاتل المجاهد هو من جنود الله الذين بعثهم تعالى من لدنه ليكونوا أولياء ونُصراء للمستضعفين المظلومين.
وعليه، فلا يجوز إنسانيًا وأخلاقيًا وشرعيًا أن يقعد المؤمنون عن نصرة من يستنصرهم، بل يجب عليهم أن يُبادِروا إلى نصرتهم والدفاع عنهم، واستنقاذهم من براثن الشياطين المجرمين.
فالآية الكريمة واضحة في تحديد تكليف الجماعة والمجتمع المؤمن تجاه المستضعفين والمظلومين، من حيث وجوب الدفاع عنهم ونصرتهم ومواجهة الطغاة الذين يظلمونهم، وليس لهم أن يكونوا حياديين في هذا الشأن، فالحياد والسكوت عن الظلم ظلم، وصمّ الآذان عن استغاثة المظلومين مع القدرة على نجدتهم شراكةٌ في ظلمهم، كما أن التبرير للظلم ظلم، ناهيك عن التحالف مع الظالمين وإعانتهم، فذلك من أعظم المحرمات في شريعة الله تعالى.
اليوم، في وطننا لبنان وفي عالمينا العربي والإسلامي، نرى تلك الظاهرة المخزية التي لا يقبلها ضمير ولا عقل ولا دين: ظاهرة الخذلان؛ خذلان المستضعفين والمعتدى عليهم في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق.
وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل نرى شراكة بين مسلمين وعرب مع الظالم والمعتدي. أما في لبنان، فما نراه من بعض بنيه يندى له الجبين، وتقشعرّ له الأبدان، ويأباه الحيوان ناهيك عن الإنسان؛ حيث التواطؤ بين هؤلاء والعدو علنيٌّ ومن دون خجل، وبعضهم لا يُرشِد العدوَّ خفيةً إلى ما يريد تدميره، بل يرشده علنًا وعلى وسائل الإعلام مباشرة.
ولكن الذي يُعزِّي المظلومين المعتدَى عليهم المطعونين في ظهورهم، أن الله تعالى للظالمين بالمرصاد في الدنيا قبل الآخرة.
قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴿42﴾ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴿إبراهيم: 43﴾.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 28/3/2026 الساعة (04:00)




