الجمعة - 15 مايو 2026

بين هدنة ترامب المُخادعة وتصعيدٍ على حافة الانفجار .؟

منذ شهرين
الجمعة - 15 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، تتسارع التطورات بوتيرة تضع الشرق الأوسط أمام أختبار غير مسبوق ، بعد إعلان إيران تعرض منشآتها الحيوية في أصفهان وخرمشهر لضربات نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ، رغم مؤشرات سابقة على تهدئة مؤقتة ، هذا التحول لا يعكس مُجرد خرق لتعهد سياسي ، بل يكشف عن نمط مُتكرر في إدارة الأزمات ، حيث تُستخدم التهدئة كأداة تكتيكية لإعادة التموضع لا كمدخل حقيقي لخفض التصعيد .

المُعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية الصادرة عن طهران ، بما فيها تهديد أستهداف البُنية التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات في المنطقة ، تشير إلى أنتقال الصراع من مستوى الردع المُتبادل إلى حافة الاشتباك الواسع ، هذه المعادلة تندرج ضمن ما تصفه مراكز دراسات استراتيجية، مثل “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي” و“المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، بمرحلة “كسر التوازن الحذر”، حيث يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإطلاق سلسلة من الردود المتُتالية يصعب أحتواؤها .

في هذا السياق ، يبدو أن إغلاق أو التهديد بإغلاق “مضيق هرمز” لم يعد مُجرد ورقة ضغط أقتصادية ، بل تحوّل إلى أداة جيوسياسية لإعادة رسم قواعد الاشتباك ، فالمضيق الذي يمر عبره نحو ثُلث تجارة النفط العالمية وفق تقديرات “إدارة معلومات الطاقة الأمريكية”، يمنح إيران قدرة تأثير أستثنائية ، وهو ما يُفسر التصعيد في الخطاب الأمريكي خاصة مع تهديدات مُباشرة بأستهداف مُنشآت الطاقة الإيرانية .
غير أن ما يلفت الانتباه هو التناقض الظاهري في كلام الرئيس”ترامب” ، بين الحديث عن تقليص الانخراط العسكري ، والتلويح بضربات نوعية قد تؤدي إلى شلل أقتصادي لإيران ، هذا التناقض لا يُقرأ بمعزل عن طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ، والتي تقوم بحسب تقارير “مركز بروكينغز”، على مبدأ “الضغط المرن”، أي الجمع بين الردع العسكري والضغط الاقتصادي ، دون الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة .

أما إسرائيل ، فتبدو في موقع المُستفيد الحذر من هذا التصعيد ، فمن جهة يُحقق أستهداف البُنية التحتية الإيرانية هدفاً أستراتيجياً طويل الأمد يتمثل في إضعاف القُدرات الاقتصادية والعسكرية لطهران ، ومن جهة أخرى تُدرك تل أبيب أن أي أنفجار شامل في المنطقة ، خاصة إذا شمل جبهات مُتعددة قد يفتح عليها أبواب مُواجهة غير محسوبة ، خصوصاً في ظل التوترات القائمة في “غزة و جنوب لبنان” لذلك تميل الاستراتيجية الإسرائيلية ، وفق تقديرات “معهد دراسات الأمن القومي” في تل أبيب إلى دعم الضربات المحدودة التي تُبقي إيران تحت الضغط دون دفعها إلى رد شامل .

المشهد العام يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة “التصعيد المُدار”، حيث لا تسعى الأطراف إلى حرب شاملة بقدر ما تحاول تحسين شروط التفاوض عبر أدوات القوة ، إلا أن خطورة هذه المرحلة تكمن في هشاشتها ، إذ أن تعدد اللاعبين ، وتشابك المصالح ، وأرتفاع مُستوى التوتر ، كُلها عوامل تجعل من أحتمالية الانزلاق إلى مواجهة واسعة أمراً قائماً في أي لحظة .

ختاماً .. أن ما يجري ليس مُجرد أزمة عابرة ، بل أختبار لإرادة القوى الإقليمية والدولية في إدارة الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها .
الرسالة الأهم التي يمكن أستخلاصها هي أن الاعتماد على التعهدات الأمريكية ، دون أمتلاك أدوات ردع ذاتية ، يبقى رهانا محفوفاً بالمخاطر وهو ما أثبتته تجارب سابقة في المنطقة .
وعليه ، فإن المطلوب من صناع القرار سواء في إيران أو في دول المنطقة هو التعامل مع المرحلة بعقلانية أستراتيجية تقوم على تعزيز قنوات الاتصال غير المُباشر ، وتجنب أستهداف البنى الحيوية التي قد تؤدي إلى ردود مُتسلسلة خارج السيطرة ، والعمل على بناء توازن ردع مُستقر لا يقوم على التصعيد المستمر ، بل على إدارة المصالح بواقعية سياسية ، فالمنطقة لم تعد تحتمل مُغامرات جديدة ، وأي خطأ في التقدير قد يحول التوتر القائم إلى أزمة شاملة تتجاوز حدود السيطرة …!