الضربة والارتداد: كيف أعادت إيران رسم مُعادلة الحرب..!
طه حسن الأركوازي ||

مع أحتدام المُواجهة العسكرية التي أندلعت إثر الحرب “الأميركية-الإسرائيلية” المفروضة على إيران ، دخل الصراع مرحلة سياسية دقيقة أتسمت بتبادل رسائل مُتباينة بين أطرافه ، ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي”ترامب” رغبته في وقف القتال ، مؤكداً أن الولايات المُتحدة “حققت أهدافها” من العمليات العسكرية ،
سارعت طهران إلى نفي وجود أي أتفاق فعلي لوقف إطلاق النار ، وأوضحت أن ما يجري تداوله لا يتجاوز كونه تحركات دبلوماسية وأتصالات دولية تهدف إلى أحتواء التصعيد وتهيئة الظروف لتهدئة مُحتملة تمنع أتساع رقُعة الحرب في المنطقة .
وقد جاء الإعلان الأميركي بعد أتصال مُباشر بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ورئيس الوزراء الإسرائيلي”بنجامين نتنياهو” ، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي إلى التأكيد أن أي قرار بوقف العمليات سيتم بالتنسيق الكامل مع تل أبيب ، غير أن الموقف الإيراني بدا أكثر تحفُظاً ، إذ أشارت مصادر سياسية وإعلامية في طهران إلى أن الحديث عن وقف فوري للحرب لا يزال سابقاً لأوانه ، وأن الوساطات الدولية التي برزت خلال الساعات الماضية جاءت عقب أتصال أجراه الرئيس الروسي”بوتين” مع “ترامب” ، في محاولة لأحتواء التصعيد .
في هذا السياق ، بدأت ملامح الشروط الإيرانية لوقف القتال تتبلور في عدد من التسريبات والتحليلات السياسية التي نقلتها وسائل إعلام دولية ومراكز بحثية ، وتشير هذه التحليلات إلى أن طهران تنظر إلى الحرب الحالية بوصفها مُواجهة وجودية تتجاوز مُجرد الرد العسكري ، وهو ما يُفسر تمسُكها بجُملة من الضمانات السياسية والأمنية قبل الدخول في أي تفاهمات لوقف إطلاق النار .
أولى هذه الشروط تتمثل في الحصول على ضمانات دولية واضحة تحول دون تكرار الهجمات العسكرية ضد الأراضي الإيرانية ، وهو مطلب يعكس قناعة راسخة لدى القيادة الإيرانية بأن الصراع الحالي ليس حادثة معزولة ، بل جُزء من أستراتيجية طويلة الأمد تستهدف تقليص نفوذ إيران الإقليمي ، لذلك ترى طهران أن أي وقف لإطلاق النار لا يُرافقه إطار قانوني أو سياسي يمنع تكرار الاعتداءات لن يكون أكثر من هُدنة مُؤقتة وهشة قابلة للأنهيار في أي لحظة .
أما المسألة الثانية فتتعلق بتوسيع إطار أي أتفاق ليشمل الجبهات المُرتبطة بالصراع ، وعلى رأسها الساحة اللبُنانية ، فإيران تعتبر أن الحرب الحالية لم تعد محصُورة في جُغرافيا مُحددة ، بل باتت مُتداخلة مع ملفات إقليمية مُتعددة ، وهو ما يجعل أي أتفاق يقتصر على وقف العمليات ضد إيران دون مُعالجة بقية الجبهات أتفاقاً ناقصاً من وجهة نظرها .
وفي ما يخص الملف النووي ، تُشير المواقف الإيرانية الأخيرة إلى تُشدد غير مسبوق في رفض العودة إلى المُفاوضات المُباشرة مع الولايات المتحدة ، فطهران ترى أن تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018 ، خلال إدارة “ترامب”، ثم تعثُر محاولات إحيائه لاحقاً ، أضعفت الثقة بشكل كبير في أي مسار تفاوضي تقوده واشنطن ، لذلك تميل إيران حالياً إلى قبول وساطات دولية مُتعددة الأطراف قد تشمل روسيا أو الصين أو دولاً أوروبية ، إضافة إلى أدوار إقليمية مُحتملة مثل سلطنة عُمان أو مصر .
وتتصل هذه النُقطة بشرط آخر أكثر حساسية يتمثل في تمسك إيران بما تصفه “مُرتكزات السيادة الدفاعية”، وهي برنامجها النووي السلمي ، وتطوير منظومة الصواريخ الباليستية ، وأستمرار دعم حُلفائها الإقليميين ضمن ما تسميه “محور المقاومة” ،
وتتعامل القيادة الإيرانية مع هذه الملفات بوصفها خطُوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض خاصة في ظل أنتقال القيادة العليا في البلاد إلى المرشد الجديد السيد”مُجتبى الخامنئي” بعد أغتيال والده في بداية التصعيد العسكري المفروض على أيران .
إلى جانب ذلك ، تطرح طهران مسألة رفع العقوبات الاقتصادية كجزء أساسي من أي أتفاق مُحتمل ، فالحرب الحالية إلى جانب العقوبات المُستمرة منذ 47 عام ، فرضت ضغوطاً كبيرة على الاقتصاد الإيراني ، لكنها في الوقت نفسه دفعت القيادة الإيرانية إلى ربط أي تسوية سياسية بمُعالجة ملف الحصار الاقتصادي الذي تعتبُره شكلاً من أشكال الحرب غير المُباشرة .
وفي المقابل ، تشهد الولايات المتحدة نقاشاً سياسياً مُتصاعداً حول نتائج هذه الحرب ، فقد دعا عدد من أعضاء الكونغرس من الحزب الديمقراطي إلى جلسات أستماع علنية لمُساءلة الإدارة الأميركية بشأن مسار العمليات العسكرية وأهدافها ، وسط تقارير تُفيد بأن وزير الدفاع “بيت هيغسيث” ، ووزير الخارجية “ماركو روبيو” قد يواجهان أستجواباً برلمانياً حول جدوى الحرب ونتائجها الاستراتيجية .
هذه التطورات تعكس حالة من الجدل داخل الولايات المُتحدة بشأن مدى تحقيق الأهداف التي أعلنتها “واشنطن و تل أبيب” في بداية العمليات ، والتي تمثلت في إضعاف النظام الإيراني ، وتدمير برنامجه النووي ، وتقليص قُدراته الصاروخية ، غير أن المُؤشرات الميدانية والسياسية حتى الآن توحي بأن تلك الأهداف لم تتحقق لصعوبة التضاريس الأيرانية ، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية مُعقدة .
على المستوى الدولي ، ألقت الحرب بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي ، فقد تسببت الضربات المُتبادلة وتهديد خطوط الطاقة في أرتفاع أسعار النفط والغاز ، كما أثارت مخاوف واسعة بشأن أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز ، وهو ما أنعكس على الأسواق المالية وسلاسل الإمداد العالمية .
أما في العراق ، فإن تداعيات هذه الحرب تبدو أكثر حساسية نظراً لموقعه الجُغرافي ، وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية مع أطراف الصراع ، فالعراق يقف عملياً على خط تماس بين النفوذ الأميركي والإيراني ، الأمر الذي يجعله عُرضة لتداعيات أي تصعيد إقليمي ، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار السياسي .
أخيراً .. تتزايد المخاوف في بغداد من أن أستمرار الحرب قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد العراقي ، خاصة في ظل أعتماده الكبير على صادرات النفط وأستقراره النسبي في أسواق الطاقة العالمية ، كما أن أي أضطراب واسع في المنطقة قد يُعيد العراق إلى دائرة التوترات الإقليمية التي حاول خلال السنوات الماضية تجنبها عبر سياسة توازن دقيقة بين القوى الدولية والإقليمية .
في ضوء ذلك ، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على مسارين متوازيين :
مسار عسكري قد يشهد جولات تصعيد جديدة .
ومسار دبلوماسي تحاول القُوى الدولية من خلاله منع تحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع .
وبين هذين المسارين ، يبقى السؤال الأهم مطروحاً هو هل ستقود هذه الحرب إلى تسوية جديدة تُعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط ، أم أنها مُجرد فصل آخر في صراع طويل لم تصل المنطقة بعد إلى نهايته …!ً




