الخميس - 14 مايو 2026
منذ شهرين
الخميس - 14 مايو 2026

زمزم العمران ||


قال تعالى في كتابه الكريم :(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)

بغداد مدينة السلام ،وتحديداً حي العامل على ضفاف الكرخ ، ولد الشهيد علي وليد محمد لعيبي الساعدي في الأول من آيار عام 1985 ،في زمن كان العراق فيه يئن تحت وطأة الحصار والجوع والخذلان .

كبر علي سريعاً ليس لأن السنوات تمر سريعاً ،بل لأن ضيق العيش أجبره أن يحمل هموم الرجال وهو ما يزال صغيرا ،ترك مقاعد الدراسة ليعيل عائلته على ايام كانت أشبه بالمعارك اليومية مع الفقر والحصار ، تزوج علي وانجب ولداً وكان يحلم أن يكبر ولده تحت سماء لا تحوم فيها طائرات المحتلين ولا تجوب شوارع الوطن دباباتهم ،

كان يأمل مستقبل لولده يعيشه كأنسان كريم في بلد سيد على أرضه لاتداس كرامته تحت أقدام المحتل .

فلما دخل الاحتلال الامريكي أرض العراق كانت رغبته تسبق خطوته في حفر اسمه في تاريخ المقاومين المدافعين عن الارض والعرض ،ففي عام 2006 انتمى لصفوف المقاومة الإسلامية حركة عصائب أهل الحق لأنه يؤمن بأن الوطن الذي يعيش فيه له حق عليه حق الدفاع عن كل ذرة تراب فيه من دنس المحتل فللأرض رجالها وحُماتها ،لم يكن يتحدث كثيرا عن بطولاته لكنه كان يصنعها بأفعاله كل يوم بصمت وثبات .

وفي صباح الاول من ايار من عام 2008الذي يصادف يوم مولده ،اتصل بوالده عند الساعة الخامسة ليطمئنه بأنه في العمل وأن لايقلق عليه ،لم يكن عمله عاديا ،بل كان عمله جهاديا فهو يراقب تحركات الاحتلال ويحرس أحد مواقع المقاومة ، وعندما قامت القوات الامريكية بمداهمة البيوت بحثاً عن المقاومين ،طلب منه والده أن يسافر إلى سوريا لينجو بنفسه ،

لكنه كان ثابت الخطى والبصيرة واختار طريق الحق طريق العز والكرامة فأجابه : كيف اذهب الى سوريا واصدقائي وأخوتي في الجهاد هنا يصارعون المحتل من أجل الوطن ، كيف اترك الميدان وهم مازالوا صامدين فيه ؟!

كانت كلماته كافية و وافية لنعرف أن علي يملك روح الرجل الذي فهم وتيقن بأن الرجولة ليست بالنجاة بل في الثبات في ساحات الوغى ،وان الشرف الحقيقي هو أن تبقى حيث يحتاجك الوطن وتموت دفاعا عنه ،

وفي مساء ذلك اليوم وبعد الساعة السابعة شنت القوات الامريكية هجوماً على موقع للمقاومة في مكتب السيد الشهيد ،كان علي هناك مع إخوته المقاومين يقفون بصدورهم العارية في وجه آلة الحرب ،

وعندما عجزت القوات الامريكية عن اقتحام المكان ،اطلقت طائرة أمريكية صاروخاً غادراً استهدف الموقع ،دوى الانفجار وتصاعدت أرواح الشهداء إلى السماء وكان علي من بينهم ارتقى شهيدا مع رفاقه ،شاء القدر أن تكون شهادته في اليوم نفسه الذي ولد فيه الاول من ايار وكأن حياته كانت حلقة مكتملة بدأت ميلاده ببغداد وانتهت بأرتقائه شهيدا لها .علي واحد من اولئك الذين يعلّمون الأجيال أن الاوطان لا تحتاج للكلام بل تحتاج لفعل الرجال الذين يكتبون تاريخهم بدمائهم ، فسلام على علي حين ولد وحين استشهد وحين يبعث حيا.