الأحد - 14 يونيو 2026

إدارةُ الحروبِ بعقل التاريخ: قراءةٌ في الطريقةِ الإيرانيَّة..!           

منذ 3 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

آزاد محسن ||

في كتابِ أحاديث في آسيا يروي المفكِّر والصحفي المصري محمد حسنين هيكل قصَّةً من زيارتِه إلى الصين حين اكتشفَ أنَّ العقلَ السياسي في الشرقِ ينظرُ إلى الصراعِ بمنظار يختلفُ جذريّاً عن الغرب. فالغربُ يقيسُ السياسةَ بسنواتِ الحكوماتِ ودوراتِ الانتخابات، بينما تنظرُ الحضاراتُ العميقةُ إلى الصراعِ بمقياسِ القرون.

هذه الفكرةُ تمنحُ مفتاحاً مُهمّاً لفهمِ الطريقةِ التي تُدارُ بها المواجهةُ اليومَ
في إيران.

إيرانُ في معركتِها مع الولاياتِ المتحدةِ والكيانِ الإسرائيليِّ لا تتعاملُ مع الحربِ كمواجهةٍ عسكريَّةٍ آنيَّة، ولا كجولةٍ سياسيَّةٍ محدودةٍ بزمنِ الإعلامِ والضجيج.
في الفكرِ الاستراتيجيِّ الإيرانيِّ الصراعُ يُقرأُ ضمنَ مسارٍ تاريخي طويل تتداخلُ فيه العقيدةُ والسياسةُ والجغرافيا؛ لذلك تبدو خطواتُها أحياناً بطيئةً في نظرِ الخصوم، لكنها في حقيقتِها تتحرَّكُ وفقَ ميزانٍ مختلفٍ، ميزانٍ يتراكمُ فيه الفعلُ عبرَ الزمنِ حتى تتبدَّلَ موازينُ القوَّة.

العقلُ الغربيُّ يبحثُ عن ضربةٍ حاسمةٍ تنهي المعركةَ سريعاً، بينما العقلُ الثوري الذي نشأ بعدَ ثورةِ الثورةِ الإسلاميَّةِ الإيرانيَّةِ 1979 يرى الصراعَ كمسارٍ طويلٍ من الاستنزافِ الاستراتيجيِّ وبناءِ القوَّةِ التدريجي، ولهذا تبدو الحربُ بالنسبةِ لإيرانَ مشروعاً تاريخياً أكثرَ من كونِها معركةً عسكريَّةً آنيَّة.

من هنا يمكنُ فهم كثيرٍ من سلوكِها في المنطقة:
بناءُ شبكاتِ قوَّةٍ مُتعدِّدة، توسيعُ مساحاتِ النفوذِ، وإدارةُ الصراعِ بطريقةٍ تجعلُ الزمنَ نفسَه جزءاً من أدواتِ المعركة.

فالدولُ التي تُفكِّرُ بعمرِ الحكوماتِ تخوضُ الحروبَ بعجلةٍ، أمَّا الدولُ التي تُفكِّرُ بعمرِ الحضاراتِ فإنَّها تُديرُ الصراعَ بصبرٍ طويلٍ، وتتركُ للتاريخِ أن يُكملَ ما بدأتْه الاستراتيجيَّة.