شكراً يا ابن الزهراء.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

لم تكن القيادة يوماً عند الحر امتيازاً يحتمي به خلف الجدران العالية، بل كانت دائماً اختباراً أخلاقياً يقف فيه القائد في الصف الأول، حيث الخطر الحقيقي، وحيث تتكشف معاني الصدق بين الشعار والموقف. هكذا اختار الشهيد السيد علي الخامنئي طريقه، لا باعتباره شخصية سياسية تبحث عن النجاة، بل قائداً رأى أن القدوة هي أعظم أدوات التأثير، وأن القائد الذي يطلب من شعبه الصمود لا يمكن أن يختبئ بعيداً عن مصيرهم.
كان بإمكانه، مثل الكثير من القادة الذين سبقوه إلى الشهادة، أن يعيش داخل منظومات حماية معقدة، في أماكن محصنة مترامية داخل إيران، مواقع لا تصل إليها أقوى القنابل وأكثرها تطوراً. وقد كان الخيار متاحاً، بل منطقياً وفق الحسابات العسكرية البحتة والخالية من البعد الروحي، لكنه لم يكن منسجماً مع فهمه لمعنى المسؤولية ولا مع رؤيته لمعنى التهلكة كما وردت في الوعي الإيماني العميق.
فالتهلكة، في نظره، لم تكن الموت، ولم تكن مواجهة الخطر دفاعاً عن الحق، بل كانت لحظة خضوع الإنسان للطغيان حين يصبح الخوف حاكماً على قراره، وحين تتحول القوة الظالمة إلى قدر لا يُقاوَم. التهلكة الحقيقية هي أن يمتلك الطاغوت الكلمة العليا في نفوس الأحرار، أما الموت في طريق المواجهة فليس نهاية، بل بداية جديدة لوعيٍ لا يُهزم.
بهذا الفهم تحولت حياته إلى رسالة، وتحول استشهاده إلى حدث يتجاوز الجغرافيا والسياسة. فالعبقرية لم تكن في تجنب النهاية، بل في اختيار الطريقة التي تجعل النهاية ولادة جديدة لقضية أكبر. القائد الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بكمية الحياة التي يزرعها بعد رحيله، وبقدرته على تحويل الفقد إلى طاقة، والحزن إلى إرادة، والصدمة إلى يقظة جماعية.
لقد خرجت الجماهير في أماكن لم يكن أحد يتوقع أن تتحرك فيها، وامتلأت الشوارع بأصوات رأت في رحيله دعوة للاستمرار لا سبباً للتراجع. المفارقة أن ما كان العدو يحلم بأن يكون لحظة انكسار، تحول إلى لحظة تعبئة واسعة، أعادت تعريف معنى القيادة ومعنى الشهادة في الوعي الشعبي العالمي. وهنا تتجلى حقيقة القائد الذي لا تنتهي وظيفته بغيابه، بل تبدأ مرحلة تأثيره الأوسع بعده.
هكذا تُصنع القيادة؛ حين يذوب القائد في شعبه فلا يميز نفسه عنهم، وحين يصبح وجوده بينهم إعلاناً دائماً بأن القضية أكبر من الفرد، وأن الطريق لا يُحمى بالجدران بل بالإيمان الذي يسكن القلوب. القادة الذين يختارون السلامة الشخصية قد يطيلون أعمارهم، لكن القادة الذين يختارون الوقوف في قلب الخطر يطيلون عمر الفكرة نفسها.
شكراً يا ابن الزهراء، لأنك لم تجعل القيادة موقعاً فوق الناس، بل حملاً معهم. شكراً لأنك فسرت معنى التضحية بالفعل لا بالكلمات، ولأنك أثبت أن القائد يمكن أن يغيب جسداً لكنه يبقى قائداً ما دامت الحياة، وما دام في العالم أحرار يرفضون أن تكون للطغيان الكلمة الأخيرة.




