الجمعة - 15 مايو 2026

حين تمضي السيادة بلا تردد: يبقى العويل خلف القافلة..!

منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

لم يعد ملف خور عبد الله شأناً حدودياً يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً تقنياً أو إجرائياً ، بل أصبح أختباراً سياسياً صريحاً لمدى قُدرة العراق على حماية سيادته ومصالحه البحرية في بيئة إقليمية تتسم بحساسية مُفرطة أتجاه توازنات القوة والنفوذ ، فالقضية في جوهرها لم تعد محصورة في تفسير خطوط أو تنظيم ملاحة، بل تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين القانون الدولي وإرادة الدول ، وإلى مقياس لمدى حضور العراق كفاعل قادر على الدفاع عن حقوقه بثقة وثبات .

الإطار القانوني المُنظم للحدود البحرية بين العراق والكويت يستند إلى قرارات دولية ملزمة ، في مقدمتها القرار 833 الصادر عن مجلس الأمن الدولي ، وهو قرار وضع الأساس القانوني للعلاقة الحدودية بعد حرب الخليج ، إلا أن التجربة العملية أثبتت أن النصوص القانونية ، مهما بلغت درجة وضوحها لكنها تبقى عُرضة لتفسيرات سياسية مُتباينة ، وهو ما جعل هذا الملف ساحة دائمة لأختبار حدود التأويل وحدود الإرادة السياسية في آن واحد .

في هذا السياق ، تبدو بعض التحركات الميدانية الأستفزازية للجانب الكويتي أو بعض المواقف العربية والخليجية الداعمة لطرف دون آخر أنعكاساً لنهج سياسي يقوم على ترجيح الحسابات الجيوسياسية على حساب مُقاربة قانونية مُتوازنة ، فبدلاً من الدفع نحو بيئة تفاوضية هادئة ، يجري أحياناً تكريس واقع سياسي يضع العراق أمام معادلة صعبة :
إما القبول بتفسيرات ضيقة لحقوقه البحرية .؟
أو الدخول في سجالات دبلوماسية تستنزف طاقته السياسية .؟

وهذه المُقاربة لا تسهم في تعزيز الاستقرار بقدر ما تعيد إنتاج التوتر بصورة دورية .
إن الحوادث الميدانية المحدودة مثل أقتراب زوارق أو تبادل إنذارات بحرية لا تكمن خطورتها في بُعدها العملياتي ، بل في الرسائل السياسية التي تحملها فهي تُقرأ في سياق أوسع يتعلق بمحاولات أختبار حدود المُوقف العراقي ، وقياس درجة تماسكه ، ومدى قدرته على تحويل شرعيته القانونية إلى موقف سياسي فاعل ، ومن هنا فإن إدارة هذه الوقائع تتطلب مزيجاً دقيقاً من ضبط النفس والوضوح ، بحيث لا يُفسر الهدوء على أنه تراجع ، ولا يُفهم الحزم على أنه تصعيد .

إقليمياً ، تكشف طبيعة الاصطفافات السياسية المحيطة بالملف أن بعض العواصم تميل إلى تبني مواقف سريعة قد لا تراعي التعقيد القانوني والتاريخي للقضية ، هذا الميل يعكس في كثير من الأحيان رؤية سياسية تختزل النزاع في بعده الثنائي ، مُتجاهلة أن أستقرار الممرات البحرية في الخليج يُمثل مصلحة مشتركة لا يمكن ضمانها عبر مواقف أحادية ، ومع ذلك فإن الرد العراقي الأكثر فاعلية لا يكمن في مجاراة الخطاب السياسي الحاد ، بل في بناء رواية قانونية ودبلوماسية مُتماسكة تفرض حضورها في النقاش الإقليمي والدولي .

الملف في حقيقته أختبار لقُدرة الدولة على إدارة السيادة بوصفها عملية مُستمرة لا موقفاً عاطفياً ، فحماية الحقوق البحرية لا تتحقق فقط عبر الاحتجاجات الرسمية أو البيانات السياسية ، بل من خلال أستراتيجية طويلة الأمد تعزز الحضور القانوني للعراق ، وتدعم قُدرته التفاوضية ، وتوحد خطابه الداخلي بما يمنع أي تضارب قد يضعف موقفه الخارجي ، فالتماسك الداخلي يظل دائماً العامل الحاسم في تحويل أي حق قانوني إلى قوة سياسية مؤثرة .

كما أن الأهمية الاستراتيجية للممر البحري للعراق تجعل من هذا الملف جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الاقتصادي الوطني ، فحرية الوصول إلى المياه المفتوحة ليست مسألة رمزية ، بل شرط أساسي لضمان أنسيابية التجارة والطاقة وتعزيز ثقة المستثمرين ، ولذلك فإن أي مُقاربة تُقلل من أهمية هذا البُعد الاستراتيجي تُعد مقاربة ناقصة ، لأنها تتجاهل الترابط الوثيق بين الجغرافيا والسيادة والتنمية .

إن اللحظة الراهنة تضع العراق أمام فرصة لإعادة صياغة حضوره الإقليمي من خلال إدارة هذا الملف بروح الدولة الواثقة لا بمنطق رد الفعل ، فالدبلوماسية الحازمة القادرة على الجمع بين الصرامة القانونية والهدوء السياسي تمثل الخيار الأكثر فاعلية ، لأنها تُعزز صورة العراق كشريك مسؤول يحمي حقوقه دون أن يهدد الاستقرار الإقليمي ، وهذه المعادلة وإن بدت مُعقدة ، تبقى الطريق الأقصر لترسيخ مكانة الدولة على المدى الطويل .

أخيراً وليس آخراً .. إن السيادة لا تُقاس بحدة الخطاب ، بل بقدرة الدولة على تحويل حقها إلى واقع مستقر ، والعراق اليوم بحاجة إلى مُقاربة أكثر وضوحاً وتماسكاً تجعل من ملف خور عبد الله نموذجاً لإدارة النزاعات بثقة واتزان ، الرسالة التي ينبغي أن تكون حاضرة لدى صانع القرار هي أن الحزم القانوني المدعوم برؤية سياسية موحدة هو الضمانة الحقيقية لحماية المصالح الوطنية ، وأن بناء موقف وطني مُتماسك حول القضايا السيادية هو الخطوة الأولى نحو تثبيت حضور العراق كدولة قادرة على الدفاع عن حقوقها دون تردد ، وبما ينسجم مع مُتطلبات المرحلة وتعقيدات الإقليم …!