أميركا من الداخل..!
د. إسماعيل النجار ||

*صراعات القوة التي تحكم الإمبراطورية الشِرِّيرَة وتُشعل الشرق الأوسط والعالم معاً!.*
*مَن هيَ الدولة العميقة الأميركية وما هيَ مشاريعها المتصارعة*.
*لا يمكن فهم السلوك الأميركي في العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط، من خلال الخطاب الرسمي الذي يطلقهُ الرؤساء عن “الديمقراطية” أو “القيم الليبرالية” أو حتى من خلال نتائج الانتخابات. فالولايات المتحدة لا تُدار بوصفها دولة طبيعية، بل بوصفها إمبراطورية رأسمالية تعيش صراعاً داخلياً دائماً بين الشر والشَر أي بين مراكز قوة مالية وإقتصادية متنافسة على السُلطَة. هذا الصراع ليس طارئاً أبداً، بل هو بنيوي، وهو الذي يفسّر التناقض في السياسات، وإزدواجية المعايير، والعجز المزمن عن حسم ملفات كبيرة جداً كإيران وفلسطين، ومعالجة الهَوَس المتصاعد بالصين!.
*الدولة الأميركية العميقة حقيقة بلا أساطير، ولكنها موجودة بعكس التصورات التآمرية الساذجة، إذ لا توجد “غرفة مظلمة” تحكم أميركا ولا وجوه خفيـة، إنما مَن يحكم أميركا هيَ شبكة مفتوحة من المصالح تتكوّن من
*المجمع الصناعي العسكري،
*الرأسمال المالي العالمي،
*الشركات التكنولوجية العملاقة،
*الأجهزة الأمنية والاستخباراتية
*مراكز التفكير وصناعة السرديات
*وهذه الشبكة لا تعمل بتناغم، بل تتصارع باستمرار على تعريف العدو، وشكل الهيمنة، وأدوات إدارة العالم،
*حقيقة الصراع الواقعي داخل أميركا هو ليس بين حزبين، إنما بين المجمع الصناعي العسكري، الذي يريد الحروب نمط الحياة، وهذا التيار لا يحتاج إلى نصر حاسم، بل إلى صراع دائم وتهديد قابل لإعادة التدوير، ومناطق اشتعال لا تنطفئ ولا تنتهي!.
لأنه بصراحة بالنسبة له السلام خطر وجودي، لأنه يقلّص الميزانيات لديه، ويضعف النفوذ، ويُفقده مبررات البقاء،
*وول ستريت الإمبراطورية المالية الباردة، هو الرأسمال المالي الذي لا يحب الفوضى غير المنضبطة. وهو يريد إفتعال أزمات محسوبة، وحروباً بالوكالة!.
وفرض عقوبات بدل إستخدام الجيوش، هدفه ليس تدمير الدول، بل إخضاعها مالياً،.
*وادي السيليكون يريد السيطرة على العالم من دون احتلال؟.
ووادي السيليكون هو منطقة في ولاية كاليفورنيا الأميركية تُعدّ المركز العالمي الأبرز لشركات التكنولوجيا والابتكار. هذا التيار لا يحتاج إلى دبابات. سلاحه البيانات، الخوارزميات ،هندسة الوعي، وهو يرى أن مَن يسيطر على الوعي لا يحتاج إلى احتلال الأرض.
*التيار القومي الشعبوي، تعريفهُ في أميركا هو اتجاه سياسي يجمع بين فكرتين رئيسيتين؛ القومية والشعبوية، ويقوم على خطاب يعتبر أن “الشعب الحقيقي” يجب أن يكون في مواجهة “النخب الفاسدة” أو “المؤسسة الحاكمة”، مع تركيز قوي على الهوية الوطنية والمصالح الداخلية. ويمثل ارتداد الإمبراطورية على ذاتها هذا التيار يعكس؛ خوف الطبقات المتضررة من العولمة، وغضب القاعدة البيضاء التقليدية، وهو يدفع نحو؛ خطاب صدامي، وعداء فجّ للخارج، سياساته متقلبة،
*تعتبر منطقة الشرق الأوسط ساحة تصفية حسابات أميركية هو ليس أولوية بحد ذاته، بل يعتبر مخزن أزمات، ومسرح اختبار، وساحة استنزاف منخفضة الكلفة!.
إن كل تيار أميركي يرى المنطقة من زاويته الخاصة، لكن النتيجة واحدة
وهي عدم الاستقرار الدائم.
*إسرائيلبا لنسبة للجميع داخل الولايات المتحدة الأميركية هي القاعدة المتقدمة للإمبراطورية، والدعم الأميركي لها ليس أخلاقياً ولا دينياً فقط، بل عسكري،إستراتيجي داخلي، فإسرائيل تؤدي وظيفة؟
أتفقت الكُتَل الأميركية المتصارعة على إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم ومنع وجود أي توازن إقليمي مستقل،
*كما إتفقوا على تفكيك الملفات الكبرى واعتبار “إيران” العدو الذي لا يُسمح له بالسقوط، وإبقائها تمثل النموذج المثالي لـ “الخصم الوظيفي” قوي بما يكفي ليُخيف ومحاصر بما يكفي ليُستنزف، لهذا لا حرب شاملة، ولا تسوية حقيقية، بل إدارة صراع طويلة الأمد، تبقى إيران فيها مُنهكَة،
*أما فلسطين ستبقى قضية بلا حل لأن الحل غير مرغوب في الخطاب الأميركي ولا حديث جَدِّي عن “حل الدولتين” إنما ستبقى أداة خطابية وغطاء للتحرك العسكري والدبلوماسي حسب حاجة أميركا وإسرائيل،
*في العمق أي حل عادل لقضية فلسطين يُربك النظام الإقليمي ويكشف زيف السردية الأخلاقية الأميركية ويُسقط وظيفة إسرائيل كذراع ضابطة،
*أما الصين فتعتبر الخطر الأكبر الذي يوحّد الجميع داخل الولايات المتحدة الأمريكية، الصين ليست خصماً عسكرياً فقط، بل هي نموذج دولة، ومشروع حضاري منافس، وتُشكلُ تهديداً مباشراً لهيمنة الدولار!. ونادرا ما تتقاطع مصالح المال والسلاح والتكنولوجيا، لكن الصراع معها طويل وبارد وشامل وليس حرباً تقليدية.
*إن مقارنة الدولة العميقة في أميركا، بروسيا، والصين، ليست متشابهة تماماً لأن الولايات المتحدة الأميركية دولة عميقة متشظية،وقراراتها متناقضة، وصراعاتها الداخلية علنية تطفو دائماً إلى السطح!. بعكس روسيا التي تشكل دولة عميقة متمركزة حول القيادة وحسم أعلى وهامش مناورات أقل،
*أما الصين فهي تعتبر دولة عميقة مؤسسية، ذات تخطيط بعيد المدى وصراع داخلي منخفض الظهور، وتُحَل صراعاتها الداخلية بكتمان شديد،
*الدرس الجيوسياسي للعرب والخطأ القاتل هو التعامل مع أميركا ككيان واحد. الصواب هو قراءة انقساماتها واستثمار تناقضاتها، وإدراك أن التحالف معها ليس ضمانة، لأن جميع القوى التي صمدت أمام واشنطن كإيران مثلاً لم تفعل ذلك بالقوة وحدها،بل بفهمها لصراعات الداخل الأميركي وقراءة المشهد على نحوٍ جيد،
أمريكا اليوم ليست في ذروة قوتها، بل في ذروة تناقضها. وما نشهده في الشرق الأوسط ليس إلا انعكاساً مباشراً لهذا التآكل الداخلي.
الإمبراطوريات لا تسقط فجأة بل تتآكل من الداخل، ثم تُكثّف العنف في الأطراف.
أتمنى أخيراً أن تكونوا قد كوَّنتُم فكرة عن حقيقة الأمبراطورية الشريرة التي تحكم العالم بالبلطجة والعقوبات والقوة العسكرية.
بيروت في،، 17/2/2026




