المجتمع العراقي الشيعي والمرجعية الدينية: قراءة تحليلية في تشكّل العلاقة ووظائفها السياسية..!
الشيخ أكبر علي الشحماني ||

مقدّمة
شكّل الارتباط بين المجتمع العراقي الشيعي والمرجعية الدينية إحدى السمات البنيوية في التاريخ الاجتماعي والسياسي للعراق الحديث. وغالبًا ما جرى تناول هذا الارتباط في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفه حالة تبعية تُعيق تشكّل الدولة الحديثة. غير أنّ هذا التوصيف، في كثير من الأحيان، يغفل السياقات التاريخية والفقهية والاجتماعية التي أفرزت هذه العلاقة، ويتجاهل الوظائف الواقعية التي أدّتها المرجعية في فترات غياب الدولة أو اختلالها. تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة هذه العلاقة مقاربة تحليلية متزنة، تميّز بين البعد الديني والوظيفة السياسية غير المباشرة للمرجعية.
أولًا: السياق التاريخي والاجتماعي لتكوّن الارتباط
تكوّن المجتمع الشيعي في العراق ضمن بيئة اتّسمت طويلًا بعدم الاستقرار السياسي، وبغياب مؤسسات حكم عادلة تمثّل مختلف مكوّنات المجتمع. وفي ظل هذا الواقع، اضطلعت المرجعية الدينية بدور يتجاوز الإرشاد الفقهي، لتغدو إطارًا جامعًا يحفظ التماسك الاجتماعي ويوفّر آليات بديلة لتنظيم الشأن العام. ولم يكن الالتفاف الشعبي حول المرجعية تعبيرًا عن نزعة مذهبية مغلقة، بل استجابة عقلانية لواقع سياسي مأزوم افتقر إلى العدالة والتمثيل.
ثانيًا: الأساس الفقهي للعلاقة بين المجتمع والمرجعية
يقوم الارتباط بالمرجعية في الفقه الشيعي على مبدأ تقليد الأعلم لغير المجتهد، وهو مبدأ ينظّم العلاقة بين الفقيه والمكلَّف ضمن حدود معرفية وأخلاقية محدّدة. ولا يمنح هذا الإطار الفقهي المرجع سلطة سياسية تنفيذية، ولا يفرض طاعة مطلقة خارج دائرة الأحكام الشرعية. وبذلك، فإن العلاقة القائمة هي علاقة تنظيم ديني عقلاني، لا علاقة خضوع سياسي، الأمر الذي ينقض الادعاءات التي تصوّر المرجعية بوصفها بديلًا عن الدولة.
ثالثًا: النجف الأشرف واستقلال المؤسسة المرجعية
أسهم وجود الحوزة العلمية في النجف الأشرف في ترسيخ استقلال المرجعية الدينية عن السلطة السياسية، سواء من حيث التمويل أو القرار. فقد حافظت هذه المؤسسة على تقاليد علمية صارمة، وعلى مسافة واضحة من الأنظمة الحاكمة، ما مكّنها من الاحتفاظ بشرعية اجتماعية متراكمة. هذا الاستقلال جعل المرجعية جزءًا من البنية الاجتماعية للمجتمع، لا أداة بيد السلطة ولا منافسًا لها.
رابعًا: المرجعية والدولة في العراق المعاصر
في مرحلة ما بعد 2003، ومع إعادة تشكيل النظام السياسي، برز دور المرجعية بوصفها فاعلًا أخلاقيًا ضابطًا لا طرفًا سياسيًا مباشرًا. وقد تجلّى هذا الدور في مواقف السيد علي السيستاني التي اتّسمت بالدعوة إلى المشاركة السياسية المنضبطة، والحفاظ على السلم الأهلي، ومنع الانزلاق إلى صراعات داخلية شاملة. وأسهم هذا النهج في ترسيخ صورة المرجعية كعامل استقرار في لحظات الأزمات، لا كقوة تنافس الدولة على سلطتها.
خامسًا: توظيف العلاقة في الخطاب السياسي
على الرغم من الطابع الوظيفي والأخلاقي للعلاقة بين المجتمع والمرجعية، جرى توظيفها سياسيًا في عدد من الخطابات الإقليمية والدولية، حيث صُوِّرت هذه العلاقة بوصفها نموذجًا لـ«التديّن السياسي» أو «الهيمنة الدينية». ويعكس هذا التوصيف، في كثير من الأحيان، مخاوف النخب السلطوية من وجود سلطة رمزية مستقلة عن أدوات القوة التقليدية، أكثر مما يعكس قراءة واقعية لطبيعة الدور المرجعي.
سادسًا: حدود الدور المرجعي وتمييز الوظائف
من الأهمية بمكان التمييز بين التأثير الأخلاقي والاجتماعي للمرجعية، وبين السلطة السياسية التنفيذية التي تمارسها الدولة. فالمرجعية لا تتولى إدارة الشأن الحكومي، ولا تتحمّل مسؤولية السياسات العامة أو إخفاقاتها. ويظل تدخلها محصورًا في اللحظات التي تتعرّض فيها وحدة المجتمع أو استقراره لخطر وجودي، وهو تدخل ذو طابع إرشادي لا إداري.
خاتمة
يُظهر التحليل أن ارتباط المجتمع العراقي الشيعي بالمرجعية الدينية هو نتاج تاريخي واجتماعي عقلاني، لا حالة تبعية أيديولوجية. وقد أدّت المرجعية، في سياقات متعددة، وظيفة ضبط اجتماعي وحماية للسلم الأهلي، بما أسهم في منع الانهيار الكامل للدولة في مراحل حرجة. ومن ثمّ، فإن إعادة تقييم هذا الارتباط بعيدًا عن الأحكام المسبقة تُعدّ ضرورة لفهم الديناميات السياسية والاجتماعية في العراق المعاصر فهمًا أكثر عمقًا واتزانًا.




