الخميس - 14 مايو 2026
منذ 3 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ}

حين تضيق الأرض بما رحبت ، ويشتد ظلام الظلم ،حتى يُخيل للناس أن الفجر قد نسي طريقه ،ينهض الشهداء ليكتبوا بدمائهم اول سطر من كتاب الحرية .

في بغداد ، حيث يتقاسم الناس الخبز مع الالم ويجتمع الفقر والكرامة على مائدة واحدة ،ولد علي كاظم في العاشر من نيسان عام 1982 فتى عرف الكرامة من نعومة أظفاره ، وعاش في قلب البسطاء الذين يصنعون المجد بصمت، ويؤمنون أن الوطن لا يُحمى إلا بالدم.

نشأ علي كأي ابن لعائلة عراقية أنهكها الزمن، شق طريقه في الحياة مبكرًا، متنقلاً بين الأعمال، يحاول أن يُعين أسرته، وأن يصنع من جهده المتواضع دربًا لا يمدّ فيه يده لأحد. لكنه لم يكن شابًا عاديًا، كان في قلبه شيء لا يُرى: شعلة، عزيمة، إيمان،

وغضب متراكم ضد الظلم والاحتلال والخذلان. حين احتلت القوات الأمريكية العراق، لم يتردد علي في أن يختار طريق المقاومة، رغم شبابه، رغم ضيق الحال، رغم أن الطريق محفوف بالموت من كل الجهات.

في عام 2004، انتمى إلى صفوف المقاومة الإسلامية، عصائب أهل الحق، وكان في صنف التدخل السريع، ثم أصبح مسؤول مفرزة في موقع أبو دشير، تلك المنطقة التي عرفتها المعارك واحتفظت بروائح البارود والدم.

لم يكن يقاتل طمعًا في جاه أو شهرة، بل قاتل لأنه رفض أن يرى وطنه مستباحًا، ومدينته تُدنس، وأطفاله يكبرون في ظل مدرعات العدو. كان يحمل القاذفة، ويزرع الرعب في قلوب المحتلين، ويعرف أنهم يملكون الطائرات والدبابات، لكنه كان يؤمن أن الإيمان حين يشتعل، يصير أقوى من الحديد.

في ليلة من ليالي رمضان المبارك، وبينما كان الناس يستعدون للسحور، كان علي ورفاقه يعدون لعملية جديدة، أرادوا أن يقولوا للمحتل إن بغداد ليست أرضًا مستسلمة.

هاجموا القوات الأمريكية في أبو دشير، وأمطروهم بالقاذفات، وحقّقوا إصابات مباشرة أربكتهم، وجعلتهم يستنجدون بغطاء جوي واسع. لكن الغدر من السماء كان أسرع من بسالة الأرض. قصفت الطائرات الأمريكية تلك المجموعة القليلة التي وقفت كالسدّ في وجه المدّ الأسود. وارتقى علي في لحظة من لحظات المجد التي لا تتكرر، في العاشر من تشرين الأول عام 2006، تاركًا جسده للتراب، وروحه للخلود

نم قرير العين ايها الشهيد ،فالأرض التي رويتها بدمك الطاهر ستظل تحفظ أسمك والتاريخ سيكتب انك كنت هنا واقفاً ثابتاً عزيزاً حتى آخر نبض .