الجمعة - 15 مايو 2026

تطوّر البرنامج الصاروخي الإيراني بين الجذور، والدوافع، وآفاق الردع الاستراتيجي..!

منذ 3 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

د. إسماعيل النجار ||


تطوّر البرنامج الصاروخي الإيراني بين الجذور، والدوافع، وآفاق الردع الاستراتيجي، نقلَ إيران من مُتلقي إلى مُبادر.

*شهدت القدرات الصاروخية للجمهورية الإسلامية الإيرانية تطوراً متدرجاً ومنهجياً منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، في سياق سياسي وأمني إتسم بالعزلة الدولية والحظر العسكري الشامل. هذا الواقع دفع إيران إلى تبنّي سياسة الاستقلال الدفاعي بوصفها خياراً استراتيجياً لا تكتيكياً، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الاعتماد على الخارج في مجال التسليح يُفقد الدولة سيادتها وقدرتها على حماية أمنها القومي.

*بعد الاستقلال الدفاعي بعد نجاح الثورة عقب سقوط نظام الشاه، توقفت إمدادات السلاح الغربية بشكل شبه كامل، وترافق ذلك مع تفكيك جزء كبير من بنية الجيش السابقة.

هذا الفراغ العسكري، إلى جانب التهديدات الإقليمية المبكرة، فرض على القيادة الإيرانية الجديدة اعتماد التصنيع المحلي وتأسيس قاعدة صناعات دفاعية وطنية، بدأت بسيطة ثم تطورت بشكل تراكمي.

*وأثر حرب “الدفاع المقدس”
شكّلت الحرب العراقية الإيرانية (1980…1988) محطة مفصلية في بلورة العقيدة العسكرية الإيرانية. فقد كشفت الحرب حدود الجيوش التقليدية عند غياب التفوق الجوي والدعم الخارجي، وأظهرت أهمية الصواريخ كسلاح ردع قادر على تعويض النقص في القوة الجوية. خلال هذه المرحلة، بدأت إيران باستخدام صواريخ مستوردة ثم انتقلت تدريجياً إلى الهندسة العكسية والتطوير المحلي.

*وهذه كانت الدوافع الأساسية لتطوير المشروع الصاروخي الإيراني الذي يرتكز على عوامل موضوعية أبرزها؛ استمرار التهديدات العسكرية المباشرة، ووجود قواعد عسكرية وقوات أمريكية في محيطها الإقليمي بالإضافة إلى التفوق الجوي الإسرائيلي والغربي الذي يحيط بها،

*أيضاً القيود الصارمة المفروضة على تحديث سلاح الجو الإيراني.

*في هذا السياق، شكّلت الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وسيلة عملية لخلق توازن ردع فعّال بتكلفة أقل مقارنة بالقوات الجوية التقليدية.

*من هنا بدأت تحتل منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة موقعاً محورياً في العقيدة العسكرية الإيرانية، لكونها قابلة للإنتاج المحلي وصعبة الاعتراض عند الاستخدام الكثيف، ومرنة في الانتشار والتشغيل،

وفعّالة في الردع دون الانزلاق لحرب شاملة، وقد أثبتت المسيّرات بشكل خاص فعاليتها في الاستطلاع والهجوم الدقيق المنخفض الكلفة.

*وعلى عكس الهدف المعلن للعقوبات الأميركيةعلى طهران، إلا أنه ساهم  في تسريع الابتكار المحلي، ودفع المؤسسات الدفاعية الإيرانية إلى تطوير تقنيات خاصة بها في مجالات الوقود الصلب، أنظمة التوجيه، والدقة الصاروخية، ما أدى إلى تقليص الفجوة التقنية مع القوى الإقليمية.

الصناعات العسكرية والأسواق الخارجية.
*دخلت الصناعات العسكرية الإيرانية، وخصوصاً في مجال المسيّرات والذخائر، أسواقاً خارجية محدودة، غالباً ما تكون لدول غير منضوية ضمن التحالف الغربي. ويجري ذلك في إطار تعاون عسكري رسمي، أو اتفاقيات دفاعية ثنائية، دون أن تتحول إيران إلى مصدِّر سلاح واسع النطاق.

*فأظهرت التطورات العسكرية الأخيرة، بما فيها ما يُعرف بحرب الأيام الاثني عشر، أن القدرات الصاروخية الإيرانية لعبت دوراً أساسياً في منع توسع المواجهة، عبر إيصال رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم واسع سيقابله رد مكلف. وإخفاق منظومات الدفاع المتقدمة أثبتت التجارب أن أنظمة الدفاع الصاروخي، مهما بلغت تطورها، تواجه صعوبات حقيقية أمام الإطلاق المتزامن، وتنوع المنصات، والمسارات غير التقليدية للصواريخ، والصواريخ عالية السرعة، وهو ما يفسر محدودية فعاليتها أمام هجمات مركبة.

*تراهن إيران اليوم على الصواريخ بوصفها حجر الزاوية في منظومة الردع، مع توسع متوازٍ في مجالات الحرب السيبرانية، والدفاع البحري غير المتكافئ، والذكاء الاصطناعي العسكري. ولا تشير المعطيات الرسمية إلى استعداد إيراني للتفاوض على البرنامج الصاروخي، باعتباره جزءاً من السيادة الوطنية.

*البعض يسأل ما هي آفاق البرنامج الصاروخي الإيراني؟ الجواب أنه يتجه مستقبلاً نحو تعزيز الدقة، السرعة، والقدرة على اختراق الدفاعات، مع تكامل أكبر بين الصواريخ والمسيّرات، بما يرسّخ موقعه كأحد أهم عناصر التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

بيروت في،،  11/2/2026