الخميس - 17 سبتمبر 2026

الوجه المظلم للكلمة عرض معجمي لمفردات الدعاية البعثية.. كتاب جديد للباحث د. عباس عبود السالم..!

منذ 7 أشهر
الخميس - 17 سبتمبر 2026

د. عباس عبود السالم ||

بتوفيق من الله صدر كتابي الجديد الذي يحمل عنوان
(الوجه المظلم للكلمة عرض معجمي لمفردات الدعاية البعثية)
وحصلت على اول نسخة مطبوعة في هذا اليوم الذي يصادف الثامن من شباط بداية الانحراف السياسي وحوار الدم والموت، وفي السطور التالية ماكتبت من مقدمة يسرني اطلاع اصدقائي عليها قبل دخولهم في تفاصيل الكتاب

شكرا لكل من ساندني ودعمني من اجل ان يظهر هذا الكتاب الذي يعالج مسالة مهمة من مسائل الخطاب السياسي العراقي ..

مقدمة
عندما وجه البعثيون فوهات بنادقهم البورسعيد المصرية باتجاه سكان بغداد ليفتحوا النار بوجه كل عراقي يختلف معهم في صبيحة 14 رمضان 1963م، فانهم نجحوا في إحلال معادلة حوار الدم بدل المفاهيم، فمعادلة الدم هي من اوصلتهم للقصر الجمهوري، وهي التي أسست مجدهم، كما قال شاعرهم: حزب بنته الجماجم بالدم تتهدم الدنيا ولا يتهدم.

في القاموس البعثي لا وجود للحوار والشراكة والرؤية الموضوعية للأشياء، في القاموس البعثي لاوجود للفلسفة والمنطق والمعقول، كون ما يرتكز اليه هذا القاموس في مخاطبة عواطف الجماهير هو الخيال وادواته التي تتكون من البندقية ومشتقاتها.

فليس ثمة أدوات امضى واسرع انتاجا للحلول الحاسمة والنتائج السريعة اكثر من خطاب التخويف وادارة الخوف، وكل هذه المفردات لا يمكن لها ان تتحول الى سلاح فاعل دون توظيف ماهر للكلمة، طالما الخطاب يستهدف القلوب لا العقول، ففي خطاب القلب يسهل التضليل ويباح الكذب لمن يمتلك مهارة إيجاد المفردة المناسبة والنفخ بها ووضعها في مكانها المناسب، فانت تتحدث لشعب يؤمن ان “الكذب المسفط افضل من الصدق المخربط”.

اذن فالكلمة وفق المفهوم البعثي قارب نجاة اوصلهم الى شاطئ السلطة والثروة والتحكم في تدفق المعلومة والقدرة على كتم او حبس انفاس الاخرين وتعطيل عقولهم واقتحام قلوبهم بالترغيب او الترهيب.

لقد سعى البعث (الاشتراكي) ان يكون بديلا يساريا لن يترك للشيوعيين مكانا في نظر الجماهير، والبعث (العربي) بديلا قوميا جاذبا للمهووسين بالوحدة، والبعث الحامل ل(رسالة الايمان والقومية) يصلح ان يتحول الى مذهب ثالث يبشر ب(الإسلام العربي) وهو الإصدار البعثي لنسخة اسلام بلا مذاهب، اسلام قادر على ترويض السنة وتهميش الشيعة، والنتيجة اسلام يلغي الإسلام ومذهب يبتلع المذاهب.

ان ازيز الرصاص البعثي المجنون يخفي وراءه بعث دين جديد، يتفق فيه أبو جعفر المنصور مع مروان الأخير على قتل أبو مسلم الخرساني، ويجلس فيه أبو سفيان بن حرب مع حمزة بن عبد المطلب للاحتفال بميلاد هند بنت عتبة.

اسلام وتاريخ وحضارة يعيد انتاجها رجل متلون اسمه ميشيل عفلق لينتقي منها مايروق له ويفرضه على امة حدودها المحيط والخليج!

هذا الرجل وعد الشرق الأوسط ببعث دين جديد؟
دين تمر الشهادة فيه بالأمة العربية قبل ان ترفع الى لله !
فتحل (الامة العربية الواحدة) بدل (لا اله الا الله) وتجلس (الرسالة الخالدة) محل (محمد رسول الله).
فالأمة أقرب للبعث من الله … والرسالة اهم لديهم من رسوله.

لقد درس البعثيون القادمون من الشام طبيعة المجتمع العراقي، ونفذوا اليه من نقاط ضعفه، و نجحوا فيما اخفق فيه خصومهم الشيوعيون وسائر الأحزاب القومية والاشتراكية التي ولدت وترعرعت في العراق.

جاءت بهم (لعبة الأمم) واتقنوا توظيف (لعبة القلم) فصنعوا قلمهم السحري وجعلوه بوزن البندقة، وتحقق لهم ما أرادوا، فكانوا يقتلون الناس بالبندقية ويرسمون بالقلم حمامة سلام وهمية، وكانوا يمسكون السكين بيد وغصن الزيتون في يد أخرى، فلا غرابة ان تنهمر دموع الجلاد امام جمهوره وهو يفتتح حفلة موت رفاقه بأمر منه، هكذا هي لعبة الموت والحياة والدمعة والكلمة، فالقائد يمتلك القدرة على احياء الموتى وإماتت الاحياء بملامح قاسية وعيون باكية فيأخذنا تناقض الملامح عن هول القتل.

وهكذا كان صدام حسين الذي يتحول من تمساح يبكي اثناء تقطيع اوصال فريسته الى حوت يحتاج دائما لابتعلاع ما يتيسر له من اسماك محيطة، او الى نمر ورقي نفخته القسوة الغريزية فصار حقيقة، ليتعلم مهارة اللعب بالكلام واتقان لعبة الاعلام…

وصفق له المحيطون… فقد اكتشف انه في عصر يغذى العقل فيه على الحواس الغريزية ويعتمد التفكير فيه على الانفعال، والقرار على المصلحة، فاتقن العزف على هذه النغمة، فالعقل في زمن السرعة انفعالي لا تأملي، عقل متلق يتغذى على ما تجود به اضويه الشاشات، وما يتركه حبر الجرائد، وقد قبض البعث بقوة على الحبر والضوء.

وجد صدام ان قوة المواطنة والمؤسسات الدستورية في العراق تجعل عمره في الحكم أقصر مما يريد، لذلك اضعفها ليبقى على قيد السلطة الى ما يشاء.

وقد نجح الفتى القروي في ان يحول منصب الرئيس الى ممثل يجيد تقمص الأدوار ومهرج بملامح جادة يتنقل بين القلم والبندقية لإتقان معادلة الدم التي جعلته ينجح في تطويع الرتب العسكرية واذلال المؤسسات الرسمية وتجاوز كل الخطوط التي رسمها اسلافه…

لذلك كانت الكلمة هي الوسيلة الأهم لصدام في السيطرة وتبرير السيطرة، في البطش وتبرير البطش، في صناعة الموت وتبرير هذه الصناعة.

استفاد صدام كثيرا من العقلية البعثية المبنية على الاتجاه الواحد في التفكير فقام بتغذيتها بالكلمات التي تعزز لديها هذه النزعة وهو من يحدد كم التكرار ونوع التغذية باي مفردة..

استفاد من متلازمة المؤامرة لدى اتباعه فأتقن شحن قلقهم بكلمات تضاعف ما يحملون من حقد وكراهية للخصوم والمنافسين..

كان يوزع الخيانة والوطنية والوفاء والخسة على من يشاء،

والامر لا يتطلب منه الا تقديم وتأخير في الكلمات، وربما صناعة كلمات جديدة، او احياء كلمات ظلت مهملة لقرون فمن اول شروط البعث ان تحيي وتميت وحياة وموت الكلمات اول واخر الحكاية.
فعندما ذبلت الكلمات أصبحت تكرار يثير الملل والنفور، هنا ايقن العارفون اننا في الفصل الأخير من القصة حيث راح الرجل ضحية غروره، وعاد النمر ورقيا مثلما بدأ..
فصدام الذي اوهم الرعاع ان اسمه يهز أمريكا، و اوهم الاتباع انه عبد الله المؤمن، واوهم جهال الامة انه فارسها، واوهم نفسه انه بطل التحرير القومي، واوهم التاريخ انه سيعيد كتابته ويدخله ماجدا فاتحا فارسا، انتهى به الحال منكسرا ذليلا يذوق طعم ما صنعت يداه..
انتهى به الحال يطلب الحياة من حفرة نتنة ويفتح عيناه على حذاء جندي امريكي يقترب من راسه المطل على نافذة الحفرة وكان قبل أيام وشهور خلت يطلع على جموع غفيرة من الاتباع الراضخين لشموخه المزعوم يالها حفرة صنعتها الضرورة على مقاسات القائد الضرورة، القائد الذي اتفق العالم ان لا ضرورة لوجوده بعد اليوم..
وفي هذا الكتاب تحليل للبروبجندا الصدامية من خلال المفردة، وعرض معجمي لاهم المفردات التي صنعتها وانتجتها ووظفتها الدعاية البعثية وكررتها آلاف المرات وبأشكال وصيغ مختلفة كي تترسخ في اذهان الناس، هذه الكلمات قيلت وكتبت في مراحل مختلفة، منها مراحل تبرير وجود البعث بصورته العفلقية ثم تبرير القمع ثم تبرير الانفراد والاستبداد، ثم تبرير الحرب والموت، ثم تبرير الكذب فتبرير الهزيمة، ثم العودة الى تبرير البعث بصورته الصدامية.
واذا كانت الدعاية البعثية قد نجحت في مراحل معينة وربما تسرب منها الكثير لواقعنا الحالي، لكنها في حقيقتها مجرد أكاذيب صاغتها مطابخ الدعاية وقدمتها للجماهير على انها وصفة للتقدم والخلاص.
هذا الكتاب دعوة للملايين ان يحذروا استخدام او إعادة استخدام كلمات صممت بخبث لانتزاعهم من دينهم وانسانيتهم ووطنهم..
فالكتاب ليس جولة في الذكريات او نبش في الماضي، انما تنبيه للحاضر والمستقبل من خطر الكلمة المفخخة، الكلمة بوجهها المظلم.
لذلك أجد ان هذا الكتاب مهم لرجال الاعلام والفن والسياسة لغرض فهم العقلية التي تقوم عليها الدعاية البعثية في العراق والتي استفادت من الدعاية النازية والسوفيتية والناصرية، فكانت لها مدرسة خاصة، وكذلك اجد ان الكتاب مفيد لتنقية الفضاء الثقافي والإعلامي العراقي من ما تبقى من سموم الحقبة البعثية…
والله ولي التوفيق
عباس عبود سالم
بغداد
تشرين الثاني 2023