الثلاثاء - 16 يونيو 2026
منذ 4 أشهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

د. أمل الأسدي ||

ربما هي القاعدة عينها؛ فمنذ أن يُولد الطفل تعمد أمه إلى تقميطه وربطه بشكلٍ محكم، وهذا التقييد والضغط على جسده يمنحانه الاستقامةَ والثبات، ويهبانه السكينةَ والراحة…

وربما بقي هذا الأمر ملازماً للإنسان؛ فكلما ضغطت عليه الحياة، وقيّدته، وحرمته من التحرك بحرية، أو ظلمته وصادرت حقه، جاءه المدد، وامتدت إليه الأيادي الرحيمة، فنحن البشر جُبلنا على التواصل، ونحتاج إلى من يُحدّثنا ونتحدّث إليه، ونحن البشر لا نعيش القطيعة؛ لسنا كائناتٍ ضائعةً في هذا العالم، السماء ترعانا دوماً، وبإمكان أي شخصٍ منّا مراجعة أيام حياته، وسيجد أن العوض حاضرٌ دوماً؛ يُؤخذ شيءٌ منّا فيحلّ آخرُ بدله، يغيب وجهٌ عنّا، فيظهر آخر… يساند ويهوّن، وإن كان الغائب لا يشغل أحدٌ مكانه!

إنها سنّةٌ من سنن الله، إنه سلوكٌ قرآنيٌّ واقعيّ؛ فقد قال تعالى:
((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى۞ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى۞ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى۞ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ۞ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ۞ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)).

فيدُ الرحمن تسدّ النقص، وتُعوِّض، وتُكرِّم، وتجبر الخاطر؛ فالخسائر أرباحٌ وفق هذه الموازين! وليس بالضرورة أن تكون الخسائر مادية فقط، كما ليس بالضرورة أن يكون العوض مادياً.

تخيّل أن تقسو عليك الأيام، وتتعرّض للظلم الشديد، وتضغط عليك الحياة ضغطا شديداً، فيعوّضك الله تعالى بمن يساندك ويخفف عنك، حتى وإن لم يقدّم لك شيئا ملموسا؛ لكن وجوده قد غمرك بالشعور بالأمان والسكينة، وهذا الشعور رمّم دواخلك، ورتق جراحك، ومنحك القوة، فصرتَ أقوى به، وأعمق فهما للحياة به، وصرت زاهدا بما أبكاك… وبما خسرته… وبما فاتك؛ وذلك لوجوده!

إن لغتنا مذهلة، ودستورنا القرآني معجز، وعلى قدر هذا الذهول والإعجاز جاءت المصطلحات والمفردات لتعبّر عن الشعور والإحساس والموقف، وتعبّر عمّا ذكرناه عن العوض والمدد. فحين كُتب اليُتم على رسول الله (صلی الله عليه وآله)، وفقد والده ولم يره، عوّضه الله بالأب؛ فكان جدّه (عبد المطلب) أباً له، ثم أصبح أبو طالب أباً آخر له. وحين غادرت والدته (آمنة بنت وهب)، عوّضه الله تعالى بـ(فاطمة بنت أسد)، فكانت أمّه،

وقال (صلى الله عليه وآله) عنها:
«هٰذِهِ الْمَرْأَةُ كَانَتْ أُمِّي…».
هل ترى هذه المرونة وهذا الجمال في المفردات والمصطلحات (والد، والدة، أب، أم)؟ وهل تُقدّر معنى أن يعوّضك الله – مثلاً – بأبٍ يُشعرك بالسكينة والقوة والرعاية والسند؟ هل رأيتَ محبة الرحمن؟ لا يترك عبده يعيش في قطيعة، ولا يتركه لهمومه بمفرده! فتبارك الذي قال:
((… وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ))،

وتبارك من قال:
((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ…)).

للحديث بقية
#من_يطرق_الباب

#أمل_الأسدي

ـــــــــــــ
لمتابعة مقالات د.أمل الأسدي
https://t.me/Ab_Wahab