الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 4 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

الدكتور عامر الربيعي ||

فتاوي السيد علي الخامنئي التي تميزت بانها جعلت من مباديء دستور الثورة الإسلامية تنخرط بكل اطرها العقائدية في الساحة الاجتماعية ساهم في بروز ايران كدولة مسلمة نامية مستقلة ذات سيادة في الساحة الدولية والإقليمية)
فعضت الامبريالية الصهيونية الأنامل من الغيض عندما اصطدم تمدد الكيان الصهيوني وحركة رأس المال المالي بثوابت الدستور الإسلامي القائم على ان الحاكم هو الله ، وان كل ما في الوجود هو ملك لله ، وكما هو معلوم ان الشريعة الإسلامية لها بنودها الصارمة الخاصة بالمال وتفرعاته ، وتوزيع الثروات وان الولي الفقيه ( السيد الخامنئي ) هو ولي أمر المسلمين فيها في زمن غيبة الامام الثاني عشر ، لحين ظهوره الذي سيتولى القيادة العامة،
حيث يعلن الامام انه جندي في خدمة الامام الحجة.
نتلمس من اولويات الدستور الاسلامي في ايران ، اننا امام
مؤسسة دينية فقهية تشريعية ، تستنبط أحكامها الشرعية لأجل الإخراج في الساحة الدولية من منهج محمد وال بيته الطيبين الطاهرين، وتستمد استمراريتها من خلال ربط مسيرتها بالظهور للأمام الحجة عج، من خلال التطلع نحو المستقبل من خلال اعتبار ان الساحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي ساحات عظيمة فوق مستوى استيعاب الإنسان لكنه – الانسان- يستطيع من خلال ربط حركته بعالم التعالي ان يتقدم ويجذب اليه كل مستويات الوجود.
لذلك عندما
اخذت ايران على عاتقها مسؤولية الحفاظ على المسيرة الإسلامية.
انطلقت من ثوابت مغايرة لثوابت الاطر الأيديولوجية المختلفة الموجودة في الساحة الدولية.

تنطلق
رؤى وفتوى السيد الخامنئي حركة المؤسسات المختلفة في ايران ولا سيما حركة الشعب في الساحة الإيرانية ، والعكس ، فمن خلال الصعيد الاجتماعي ، عندما قامت الثورة الإسلامية في ايران ، أعلنها الامام الخميني ( انها ثورة لا شرقية ولا غربية ، وانما ثورة إسلامية، واننا لو أخذنا عناصر المجتمع الثلاثية في الفكر الغربي والعلاقة فيما بينهم ( الإنسان، والإنسان الاخر ، والطبيعة) القائمة على البقاء للاقوى او تلك الاخرى القائمة على العقد الاجتماعي، او الدولة البرجوازية الملكية .. ، لوجدنا ان الثورة الإسلامية تختلف عنها في انها استلهمت دستورها من الشريعة الإسلامية ( الفكر الالهي ) دستور ساهم في التنظير له محمد باقر الصدر ، الذي ابتكر علاقة رباعية تقود عناصر المجتمع بديلة عن العلاقة الثلاثية التي تعتنقها المدارس الفكرية الغربية .
حيث أضافه لهذه العناصر بعدا رابعا وهو الله ، وان احكامه هي الكفيلة بتصويب حركة الانسان وجعل كل من الإنسان وعلاقته بأخيه الإنسان ، وكيفية علاقتهم مع الطبيعة وكل ما يحيط بهم من خلال الشريعة، فتعاليم الإسلام التي تنظم علاقة الإنسان بالآخر ، وما هي الاحكام التي تنظم للإنسان استثمار الطبيعة، …
عالم يعود وجوده وملكيته إلى الله سبحانه وتعالى.
وتبقى حركة هذا العالم قاصرة عن التكامل في حال تم قطعها عنه

أما من الجانب الاقتصادي ، والمقصود فيها الارض ،وما تزخر فيها من خيرات وثروات متعددة ظاهرة وباطنة ،بحيث يصب فيها الجهد المعنوي [احياء الارض] الذي يقوم به الإنسان من ( ملكية ، زراعة، صناعة، ثروات) .
فكما هو ملاحظ عند الفكر الغربي ومادية مسيرته التاريخية بوجهيها الرأسمالي -الماركسي، نرى انهم افرطوا في اهدار كرامة الانسان لاجل استثمار هذه المادة ، وفي توجيه حاضر ومستقبل الإنسانية وأجيالها ، وأثقلت كاهل هذه الإنسانية المعذبة بالجوع والألم والعبودية ،بكم هائل من الأنماط الاخلاقية التي تخالف الفطرة الإنسانية …لوجود خلل في كيفية توزيع الثروات التي خلقت عالم من الطبقية ، او عدم وصول الفكر الغربي إلى ايجاد الحلول الناجحة في القضاء على مشكلة الفقر المستشري في المجتمعات، على عكس الثورة الإسلامية ايران أعلنها السيد الخامنائي من خلال خطبه انه مع الشعوب المستضعفة، ونبه في معظم خطاباته التي تبين وجهة نظره لحركة السياسات العالمية في الساحة الدولية حيث يقول (ان ما اثار غضب قادة الدول الغربية من طهران ليس الملف النووي ، بل وجود نظام إسلامي وطني ودولي )
فمن ضمن مميزات ايران الإسلامية ان اصدر الولي الفقيه ، فتوى تحريم استخدام سلاح دمار شامل ، في العام 2003, في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فينا ، واستخدامه للأغراض السلمية
اصدر فتوى بضرورة العمل على التصدي للتكفيرين في العراق وسوريا ، وارسل القائد قاسم سليماني للعمل كمستشار لصد هجمات التكفيريين على العراق وسوريا ، ودخل في قوات الحشد الشعبي العراقي.

في عالمنا المعاصر نشهد بين فترة وأخرى تعرض ايران او بعض دول غرب آسيا إلى الهجوم المتعدد الاوجه سواء الحصار الاقتصادي او الهجوم السبراني ، او تعرض علمائها ومفكريها للاغتيال ، ساحات علمية استطاعت قيادة الامام الخامنئي من الارتفاع بها وبحركتها إلى مستوى الانخراط الذي يحاكي روى القائد الولي الفقيه في الدفاع عن الاسلام .

يتضح استطرادا على ما سبق ان كل هذه الأنماط من أشكال الاستثمار للأرض التي يحركها الإنسان في ظل الإسلام من خلال العمل الجهد المعنوي ، وعلاقاته المبذولة فيها منوطة في حركتها وعلاقتها تجاه الله سبحانه وتعالى ، سواء مع الإنسان الاخر او مع الطبيعة ، لان ابرز مواد الدستور الإيراني ، ان المالك الحقيقي للأرض هو الله ، وان الشريعة الالهية هي المنبع والمسير للسلطات .
لذلك فستكون الشريعة الإسلامية وفق الدستور الإيراني هي القاعدة التي يقف عليها النظام الحاكم ، والشاهد على حركة الامة الإيرانية ، الولي الفقيه [ السيد الخامنئي] ، الذي يصوب حركتها على ارض الواقع ، بحيث تكون حركة الولي الفقيه والسلطات الثلاث وحركة الجماهير متراصة ، يكمل بعضها بعضا، بحيث كلما زاد وعي الامة بالإسلام كلما زادت مسؤوليتها تجاه الإسلام من حيث اختيارهم للاكفأ، على كافة الصعد ، من المدعين كفائتهم كافراد صالحين لخوض غمار الحكم الاسلامي .
وعند وضع هذا القالب ، الذي يسير بخطى واثقة منبعه الفكر الالهي ، مع القالب الرأسمالي [ امريكا كنظام حكم يتوسع من خلال العقيدة الصهيونية بأداة اسماها إسرائيل ]نرى انه – نظام الحكم الإسلامي في ايران – طوى العديد من مراحل مفصلية تعرض لها وخرج منها أقوى وكسر الحواجز ابرزها [ الحرب الإمبريالية التي قام بها صدام حسين ، وحرب التكفير الارهابي ] التي قال عنها السيد الخامنئي في خطابه 21/3/ 2018 ” ان الخطط الأمريكية كانت تقتضي ان تتواجد مجموعات الشر مثل داعش حتى تنحرف الأذهان عن الكيان الغاصب واستطعنا ان نتغلب على هذه الخطط ” فكرا إيمانيا متعاليا لا يلتقى مع منظروا اهدار كرامة الشعوب .
فكر اسلامي في ايران قاد حروب عدة بأكثر وعيا حيث خاض الحرب الاولى ضد نظام صدام ، وخاض الثانية مع الشعب العراقي ومرجعيته ضد الارهاب ( داعش)، فكان هذا الاحتكاك الثوري ضد الإرهاصات المختلفة أعطاها انفتاحا على ساحات عديدة من ساحات الوجود واعطته مكانته الكونية ومن انه اداة للتعبد ( من يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه) في استثماره للصالح العام والدفاع عن النفس ، فاستثمرت المنهج العلمي كاداة اخرى تعبدية لبيان قوة قدرة وقابلية الاسلام على الانخراط والتعالي ،على قاعدة ان العلم للجميع وساحته الكونية متاحة لمن يقرض الله القرض الحسن ، لأن الجهد العلمي البشري يخاطبه الله ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ومن حق الجميع وليس احتكارا على احد فانخرطت إيران الإسلامية في الساحة التاريخية للإنسانية، تقف إلى جانب شعوب العالم تتطلع نحو المستقبل..
اما القالب الرأسمالي الذي ظهر من خلال تاريخ دموي ، قائم على تفجير ساحة العدو بأي فرصة ممكنة ، وبأي أسلوب ممكن ، يتوفر لديه، على قاعدة ، النظام العالمي قطب واحد ، وان لم يكن كذلك ، فإنه سينقلب على هذا النظام لأنه وصل إلى نهاية ( القطبية الاحادية)، وهذا ما فسره ترامب ( المشارك في الابادة على غزة) عندما اعلن
بداية اجتماع دولي يرأسه هو ، كبداية لنظام قطبي احادي اكثر صرامه ، لنقل امريكا إلى مرحلة تاريخية يعتبرها اكثر انخراطا في قيادتها لأنظمة الحكم في دول العالم المختلفة . فبعد ان كانت حزمة من السياسات تُجبر الدول على القيام بها مقابل قروض مالية واقتصادية اصبح ترامب يعلن القوانين التي تجبر الدول علنا.
فيكون نظام الحكم الصهيوني في امريكا قد اسقط النظام العالمي من زاوية غزة اسقط المؤسسات الدولية التي استثمرها حتى النخاع في حروبه في اصقاع العالم المختلفة سابقا ، وخاصة غرب اسيا ،ومن زاوية فنزويلا أسقطت مقولة حصانة نظام حكم وفق المعاهدات الدولية والعلاقات الخارجية المنصوص عليها في المحافل الدولية.

المستغرب كيف ان منظورا العالم الغربي لا يستطيعون تفسير الحركة التصاعدية والحركة التنازلية التي تفرضها السنن الحاكمة للوجود، والمحركة للساحة التاريخية، يقول الله سبحانه وتعالى [ وتلك الأيام نداولها بين الناس… ] وان هذا الإنسان الموجود في هذا الكون الواسع داخل في حركته وفق سنن معينة ، وانه أغدق عليه بالنعم ومنها نعمة الوجود ، وبقاءه مرهون بحركته في الحفاظ على هذا الوجود المغدق عليه من قبل ( واجب الوجود)، وما هي المعايير التي تحكم حركة الإنسان في التقيد بالسنة الالهية.
فاين يمكن ان نضع التراتبية التي انطلق منها النظام الرأسمالي، سواء على الساحة التاريخية ، ام الحيز الحركي على ارض الواقع.

رئيس مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية العربية الأوربية في باريس