الثلاثاء - 16 يونيو 2026

الهدف هو الجمهورية الإسلامية.. نقطة رأس سطر..!

منذ 6 أشهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

✍🏼كيان الأسدي ||

يترسّخ في العقل السياسي الأميركي–الإسرائيلي اعتقادٌ ثابت مفاده أن ما يرتكبه الكيان الصهيوني من جرائم بحق حركات المقاومة في المنطقة، وما يقترفه من مجازر متواصلة في قطاع غزة، وما ينفّذه من سياسات إبادة ممنهجة بحق الرجال والنساء والأطفال، لن يكون كافيًا لإخماد جذوة المقاومة أو اقتلاعها من جذورها. ففكرة النهوض من تحت الركام ستبقى حيّة ومتقدة ما دام هناك سندٌ استراتيجيٌّ تتكئ عليه هذه الحركات، وهذا السند هو الجمهورية الإسلامية في إيران. ومن هنا، فإن هذا الدعم في نظرهم لن ينقطع إلا بضرب “الرأس”، أي استهداف إيران ذاتها بوصفها مركز الثقل ومحور الإسناد.

على هذا الأساس، سعى دونالد ترامب خلال ولايته إلى انتهاج سياسة الخديعة عبر بوابة “التفاوض”، متخذًا منها غطاءً لشنّ هجوم على إيران. غير أن الهدف الحقيقي لم يكن في بدايته استهداف المفاعلات النووية أو تعطيل البرنامج النووي فحسب، بل كان إسقاط النظام وإنهاء الجمهورية الإسلامية بأيدٍ إسرائيلية، وبأقل كلفة مباشرة على الولايات المتحدة. فالضربة الكبرى، في حساباتهم، لم تكن موجهة إلى منشآت فوردو أو نطنز، بل إلى قلب القيادة، عبر اغتيال القيادات الكبرى، وعلى رأسها قائد الثورة الإسلامية سماحة الإمام، لما في ذلك من أثر استراتيجي بالغ يفوق أي تدميرٍ مادي لمنشأة نووية.

لكن حين فشلت هذه المهمة فشلًا ذريعًا، واضطر الأميركي إلى التراجع خطوة إلى الوراء، لجأ إلى سياسة بديلة قوامها الإضعاف التدريجي وضرب القدرات، منطلقًا من قاعدة: “ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه”. فإذا تعذّر إسقاط النظام دفعة واحدة، فإن العمل على إنهاكه وإضعافه يصبح الخيار المرحلي الأنسب، تمهيدًا لضربات لاحقة تكون أشد قسوة وأوسع أثرًا.

ومن هنا، تتضح حقيقة الذريعة النووية التي رافقت سنوات التفاوض الطويلة؛ فهي ليست سوى ستار كثيف يخفي خلفه النيّة الشيطانية المبيّتة لقطع رأس محور المقاومة، لا أكثر ولا أقل. فلا عداء جوهريًّا لإيران في حدّ ذاتها بمعزل عن القضية الفلسطينية وحركات المقاومة. ولو انتهى هذا المبدأ، وعُزلت إيران عن دورها في دعم المستضعفين، لعادت في المخيال الأميركي إلى موقع “إيران الشاهنشاهية” التي تتسيّد المنطقة وفق المصالح الغربية. غير أن هذا المبدأ لن ينتهي ما دام نظام الجمهورية الإسلامية قائمًا، وهذه حقيقة تُعدّ من المسلّمات لدى الأميركي والإسرائيلي وسائر حلفائهم.

في هذا السياق، يحاول بنيامين نتنياهو اليوم إعادة إيران إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعد فشله في القضاء على حزب الله في لبنان، وبعد عجزه عن إنهاء المقاومة في غزة أو اقتلاعها من جذورها. لقد أيقن أن المقاومة ستبقى، حتى لو أُبيد كل ما ينبض بالحياة على أرض غزة، وأن الرمال ذاتها ستنهض لتقاتل. ومن هنا، بدأ يروّج مجددًا لما يسميه “الخطر الإيراني”، مركزًا هذه المرة على تطوير الصواريخ الباليستية، ومطالبًا بضرب القدرات الصاروخية الإيرانية في جولة ثانية من المواجهة، واضعًا هذا الملف على طاولة نقاشه المرتقب مع ترامب.

وسواء وافق ترامب على هذه الجولة في التوقيت الراهن أم لم يوافق، فإن المبدأ بحد ذاته لا يلقى معارضة جوهرية لديه. ما يثير تردده هو التوقيت، لا الفكرة؛ إذ يدرك حجم الألم الشديد الذي قد يلحق بتل أبيب في أي مواجهة مقبلة، ويعي أن كلفة الحرب القادمة ستكون باهظة وغير مسبوقة. في المقابل، يعلن الإيرانيون، عبر تصريحات مسؤوليهم، أن المواجهة المقبلة إن فُرضت ستكون أشد وأقسى من كل ما سبق، وأن صواريخهم ستصل هذه المرة إلى أهداف لم تبلغها في الجولات السابقة، وأن الضربة ستكون أوسع نطاقًا وأكثر تدميرًا داخل الكيان المحتل.

إن هذا الاستعداد الإيراني يكشف عن امتلاك قدرات جديدة ستدخل ساحة المواجهة فور اندلاعها، وعن مفاجآت استراتيجية قد تصدم الكيان الصهيوني وتربك حساباته. وقد يبلغ حجم الإيلام حدًّا يدفع “إسرائيل” إلى الانكفاء والتراجع، وخسارة كل ما ادّعت تحقيقه في حروبها على غزة ولبنان. وهذا تحديدًا ما يخشاه المعارضون للحرب في هذه المرحلة، سواء داخل الإدارة الأميركية أو حتى في أروقة القرار الصهيوني؛ إذ يدركون أن التهوّر قد يأتي بنتائج عكسية، تعيد الجميع إلى نقطة الصفر، بل إلى ما هو أسوأ منها.