الاستراتيجية الأميركية: من الحروب المفتوحة إلى إدارة الصراعات وإعادة رسم الخرائط..!
✍🏼كيان الأسدي ||

لم تعد المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط قائمة على الحسم العسكري المباشر، ولا على خوض الحروب المفتوحة كما في العقود السابقة، بل انتقلت تدريجيًا إلى نمط أكثر تعقيدًا ودهاءً: إدارة الصراعات بدل إنهائها، وتفكيك الخصوم من الداخل بدل مواجهتهم على الجبهات. هذه التحوّلات لا تعبّر عن تبدّل أخلاقي في السياسات الأميركية، بل عن قراءة باردة للتكلفة والعائد، بعد أن أثبتت التجارب أن الحديد والنار لا يضمنان دائمًا نتائج مستقرة.
في هذا السياق، باتت الساحة العراقية تمثّل نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فالولايات المتحدة أدركت أن تهدئة جبهة العراق لا تتحقق بالقصف ولا بالمواجهة المباشرة، بل بإشغال قوى المقاومة بملفات داخلية معقدة: استحقاقات سياسية، أزمات اقتصادية، وصراعات مؤسساتية. ومع هذا الإشغال، يُمارَس الضغط بشكل متدرج، تارة عبر الترغيب وفتح قنوات التواصل، وتارة أخرى عبر التهديد والوعيد، دون الوصول إلى نقطة الانفجار. وهكذا، ما كان يُنتزع سابقًا بالقوة العسكرية، بات يُنتزع اليوم بالكلام القاسي والرسائل غير المباشرة، وبكلفة أقل بكثير على واشنطن وحلفائها.
هذه القناعة انسحبت، وبوضوح، على الساحة اللبنانية. فلبنان، بحساسيته الداخلية وتوازناته الهشة، لا يحتمل مغامرات عسكرية واسعة. تدرك الولايات المتحدة أن أي استخدام مفرط للقوة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة، ويطيح بكل ما تحقق من مكاسب سياسية وأمنية وحتى عسكرية، لذلك، يجري العمل على اعتماد نموذج شبيه بالعراق: تضييق اقتصادي، ضغط سياسي، استنزاف داخلي، ومحاولة تحويل سلاح المقاومة من عنصر ردع إلى عبء داخلي دائم، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة.
ومن هنا، تظهر ملامح “التسويات الواقعية” كما تُطرح في الغرف المغلقة. فعندما يصبح نزع سلاح المقاومة أمرًا مستحيلًا، يُصار إلى خفض سقف الطموحات: الإقرار ببقاء هذا السلاح، ولكن ضمن ضمانات مشددة تحول دون استخدامه ضد إسرائيل مستقبلًا. ويترافق ذلك مع الحفاظ على هامش واسع من حرية الحركة الإسرائيلية، واستمرار آليات التحقيق والمراقبة كأدوات ضغط دائمة، تُستدعى متى دعت الحاجة، وتُستخدم لإعادة ضبط الإيقاع السياسي والأمني.
أما الساحة السورية، فهي المثال الأوضح على نجاح هذا النهج الأميركي – الإسرائيلي طويل النفس. فما عجزت عنه الحروب المباشرة والضغوط الدولية لعقود، تحقق اليوم بأدوات مركّبة. فالجولان بات، عمليًا، أرضًا إسرائيلية مُكرّسة بوقائع سياسية وأمنية جديدة، وبأختام محلية وفّرت الغطاء اللازم. وفي المقابل، أصبحت لإسرائيل اليد الطولى في سوريا، تضرب متى تشاء وأينما تشاء، دون أن تواجه ردعًا فعليًا أو كلفة استراتيجية تُذكر، في ظل تفكك الجغرافيا وغياب القرار السيادي.
وفي غزة، تتخذ الاستراتيجية الأميركية شكلًا أكثر خطورة، لأنها تستهدف الجغرافيا نفسها. فلا يبدو أمام ترامب سوى الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، ليس بدافع إنساني أو رغبة في الاستقرار، بل بهدف ترسيخ واقع جديد يصعب التراجع عنه. إعادة إعمار رفح تُقدَّم كنموذج، لكنها في الحقيقة مدخل لإعادة تشكيل القطاع. فاختيار رفح لم يكن وليد الصدفة، بل خطوة محسوبة تبدأ من المناطق المحاذية للحدود المصرية، حيث يمكن فرض وقائع أمنية جديدة تحت عناوين الإعمار والتنمية.
وإذا كُتب لمشروع الإعمار النجاح، فسيُستثمر كذريعة لتوسيع المنطقة العازلة، واقتطاع المزيد من الأراضي تحت حجج أمنية. وبذلك، لن تعود غزة إلى مساحتها التي كانت عليها، بل ستخضع لمحاولة تقليص منهجية، تُنفّذ بهدوء وبمباركة دولية، بعيدًا عن ضجيج الحروب، ولكن بنتائج لا تقل خطورة عنها.
في المحصلة، تكشف هذه المقاربة الأميركية عن مرحلة جديدة في إدارة الصراع بالمنطقة: مرحلة أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا، تُستخدم فيها السياسة والاقتصاد والإعمار والضغوط الناعمة كأدوات حرب بديلة. حرب لا تُخاض بالدبابات وحدها، بل بإعادة هندسة المجتمعات والجغرافيات، وفرض وقائع يصعب كسرها، حتى وإن أدت في ظاهرها تسويات أو خطوات نحو الاستقرار.




