العزم المتأصّل… تقليص التواجد الأميركي في العراق وخفايا خداع ترامب..!
✍🏼كيان الأسدي ||

يُعدّ جيمس جيفري، أحد أبرز الدبلوماسيين الأميركيين المخضرمين، شخصية محورية في ملفات الشرق الأوسط، وخصوصاً الشأنين الإيراني والعراقي. فهو مستشار أقدم لشؤون العراق، وضابط سابق في سلاح المشاة الأميركي، ويمتلك خبرة طويلة مكّنته من قراءة التحوّلات الاستراتيجية في المنطقة بدقّة. وفي مقالٍ نشره على موقع معهد واشنطن للشرق الأدنى، يشير جيفري إلى أنّ «السياسة الأميركية تجاه العراق جرى التعامل معها غالباً بوصفها ملفاً ثانوياً داخل الإستراتيجية الأوسع التي تستهدف إيران. واليوم، يذهب بعض المسؤولين الأميركيين إلى أنّ الانسحاب الكامل من العراق قد يعيد إنتاج حلقة الانتشار فالانسحاب فالعودة السريعة، في حين يرى آخرون أنّ الاستمرار بوجودٍ مفتوح الأمد لا يحمل مبرّرات استراتيجية راسخة».
انتهى الاقتباس.
من الواضح أنّ إدارة دونالد ترامب، في إطار رؤيتها العامة للأمن القومي والسياسة الخارجية، أولت اهتماماً بالغاً بمسألة تخفيض الإنفاق وترشيد الانتشار العسكري، لكنها لم تكن مستعدة للتخلّي عن عناصر الهيمنة والنفوذ التي تقود بها السياسة الأميركية في المنطقة. لذلك لا يُعدّ الحديث عن الانسحاب الكامل من العراق مطروحاً بجدّية قاطعة بقدر ما هو إعادة تموضع محسوبة. فالإدارة الأميركية تميل إلى تخفيض عدد الجنود، وتوزيعهم وفق مراكز ثقل جديدة تخدم المصلحة الأميركية. وقد ظهر ذلك جلياً في انتقال ملحوظ للمعدات العسكرية والجنود نحو القواعد الأميركية في إقليم كردستان، حيث قوبل هذا التحرك بترحيب كردي واضح، ونقل سياسيون عراقيون تصريحات تؤكد رغبة بعض القيادات في بقاء القوات الأميركية داخل الإقليم، بل واعتبار وجودها ضرورة مرحلية.
وبالتوازي مع هذا التحوّل، اتجه جزء من القوات الأميركية نحو القواعد الواقعة على الجانب السوري المتاخم للحدود العراقية، وذلك تأكيداً لرغبة واشنطن في استمرار الوصاية الأمنية على الجغرافيا الممتدة بين العراق وسوريا. فهذا التموضع يمنح الولايات المتحدة فرصة البقاء قريبة من حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويوفّر لها القدرة على جمع المعلومات والرصد والاستشعار المبكر في حال حدوث أي مواجهة، كما حصل خلال حرب الاثني عشر يوماً مع الكيان الصهيوني حيث احتاجت واشنطن إلى نقاط مراقبة فاعلة.
ورغم أنّ الشارع الأميركي بات أكثر تبرّماً من «الحروب اللانهائية»، إلا أنّ ترامب لم يكن ليُقدم على انسحاب شامل، بل كان يسعى إلى رسم خارطة تموضع جديدة تُخفض التكلفة وتُبقي على النفوذ. هذا ما ظهر أيضاً في المشهد السوري، حيث أدّت التحولات الميدانية ووصول الجولاني –أحد أبرز أدوات الاستخبارات الخارجية– إلى موقع القيادة، إلى فتح باب تفاهمات معقدة دفعت ترامب إلى اشتراط بقاء قوات أميركية في قلب دمشق، وتحديداً في منطقة المزة ذات الحساسية الأمنية العالية. فالرئيس الأميركي يدرك أنّ المزاج السوري متقلّب، وأنّ الجماعات الموالية للجولاني ليست على درجة من الانسجام تتيح له الاطمئنان، فبعضها انقلب فعلاً، وبعضها الآخر يعاني ضيقاً من الانخراط في مشروع العلمنة بعد سنوات من الشحن العقائدي المتطرّف على فتاوى ابن تيمية، خصوصاً بين المقاتلين الشيشان والقوقازيين والسوريين المتشدّدين الذين تعلّموا القتال بوصفه عقيدة لا وظيفة.
إلى جانب ذلك، يلفت جيمس جيفري إلى أنّ أحد المخاوف الأميركية الرئيسية هو تنامي نفوذ طهران في بغداد، حتى باتت السياسة الأميركية تُصاغ تجاه العراق باعتبارها امتداداً طبيعياً لسياسة مواجهة إيران. وهذا التناغم بين الساحتين يثير قلق واشنطن، لأنّها لا ترى في المشهد السياسي العراقي قوة حليفة قادرة على ضمان مصالحها على المدى الطويل. فالأحزاب الشيعية، وإن أقامت علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، تبقى –وفق الرؤية الأميركية– أقرب إلى طهران استراتيجياً وعقائدياً، ما يجعل أي انسحاب واسع مخاطرة لا تُحتمل. كما تخشى واشنطن من أنّ تصاعد الشرعية الشعبية والمؤسساتية للحشد الشعبي وفصائل المقاومة عبر الوجوه البرلمانية الجديدة سيجعل نفوذها في العراق أكثر هشاشة.
لذلك، يميل السيناريو الذي يطرحه جيفري إلى أنه الأقرب لمنطق ترامب: تقليص الوجود الأميركي في عموم العراق، مقابل تعزيز وتثبيت الوجود في إقليم كردستان، الذي يتمتع بمرونة سياسية واستعداد للتعاون مع القوات الأميركية، فضلاً عن امتلاكه بنية تحتية عسكرية تستقبل إعادة التموضع بشكل فعّال. وإضافة إلى ذلك، يشكّل الإقليم منطقة عازلة نسبياً بعيداً عن تهديدات الفصائل المسلحة، ما يجعله قاعدة مستقرة للعمليات الأميركية المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة على إعادة تعريف نفوذها في العراق عبر البوابة الاقتصادية. فهي تدفع شركاتها للدخول بقوة إلى السوق العراقية، مستغلةً صلاحيات حكومة تصريف الأعمال قبل تشكيل الحكومة الجديدة. وتشمل المجالات التي تستهدفها واشنطن: الطاقة، البنى التحتية، التكنولوجيا الخضراء، والنفط. وبهذا تسعى إلى إنشاء شبكة نفوذ اقتصادية تمكّنها من التحكم بالمشهد العراقي، ومنع بغداد من الاتجاه نحو شركات دول منافسة مثل الصين، أو من بناء شراكات استراتيجية تقلّص الدور الأميركي.
وهكذا يبدو أنّ واشنطن تعيد رسم وجودها في العراق وفق معادلة جديدة: أقلّ عسكرة… وأكثر نفوذاً واستثماراً




