لبنان وسط العاصفة: بين صمود المقاومة وتفكّك الداخل..!
أمين السكافي ـ لبنان ||

يجد لبنان نفسه اليوم في قلب عاصفة إقليمية غير مسبوقة، يتشابك فيها المحلي بالإقليمي، وتتعانق تأثيرات الحدود مع اهتزازات الداخل. فالانقسام اللبناني لم يعد مجرّد تباين سياسي، بل تحوّل إلى خطوط فاصلة بين رؤيتين: الأولى ترى في المقاومة ضرورة وجودية لحماية الأرض والحدود والكرامة الوطنية، والثانية تنظر إلى الخارج كمرجعية سياسية وفكرية، وتحمّل سلاح المقاومة مسؤولية أزمات الداخل، متجاهلة التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية التي تتراكم منذ عقود.
الجزء الأكبر من اللبنانيين ما زال ثابتاً في موقفه الداعم للمقاومة، إدراكاً بأن الكيان الإسرائيلي لم يتوقف يوماً عن خروقاته، وأن الحدود الشرقية لم تعد آمنة كما كانت، في ظل التداخل السكاني والأمني نتيجة إفرازات الحرب السورية. وبرغم الجراح والأثمان الباهظة التي دفعها هذا الخط الوطني، ورغم رحيل قامات كان لها حضورها وتأثيرها، تبقى فلسطين في وجدان قسم من اللبنانيين عنواناً ثابتاً؛ فالدفاع عن المظلوم بالنسبة لكثيرين هو امتداد طبيعي للدفاع عن لبنان نفسه.
إلا أنّ المشهد الداخلي لا يخلو من تعقيد. فحلفاء الأمس تاه بعضهم في حسابات ضيقة، إمّا خوفاً وإمّا سعياً وراء مواقع في «لبنان جديد» تعمل قوى دولية وإقليمية—من الولايات المتحدة إلى إسرائيل وبعض الخليج—على هندسته إن استطاعت. مشروعٌ يقوم على إعادة تشكيل الهوية السياسية للبلد على أنقاض لبنان المقاوم المتجذّر في بيئته وتاريخه.
في المقابل، هناك شرائح لبنانية باتت أكثر ارتباطاً برؤى الخارج، متناسية حجم الانهيار الاقتصادي والمالي، وواقع مؤسسات الدولة المنهارة، والأزمات اليومية التي يعيشها المواطن من كهرباء وماء وطبابة وطرقات وارتفاع كلفة المعيشة. وبدل أن تتوجه الأنظار إلى معالجة المأساة الاجتماعية، ينحصر الجدل في السلاح والإنصياع لهمسات الخارج إقليميا ودوليا .
يضاف إلى ذلك ملف النزوح السوري الذي بلغ أرقاماً غير قابلة للاستيعاب في بلد صغير كلبنان، ما خلق اهتزازات ديموغرافية واقتصادية وأمنية، في ظل غياب خطة رسمية موحّدة لمعالجة الأزمة. أمّا الخروقات الإسرائيلية اليومية فقد بلغت مستويات خطيرة، ما أعاد التوتر إلى الحدود الجنوبية وأحيا مشهد «الاستنفار» الدائم.
لبنان اليوم يشبه «حارة كل مين إيدو إلو»: أحزاب تتنازع، طوائف تستنفر، دولة غائبة، ومواطن يعيش في واد آخر. وفي قلب هذا المشهد، تبقى المقاومة عامل الردع الوحيد القائم، تضع إصبعها على الزناد بانتظار لحظة سياسية-ميدانية بعد إستعادتها لقدراتها وقد تهيأت للميدان ومراقبة ما قد يحدد مستقبل الجبهة الجنوبية والشرقية .
يبقى السؤال: هل يسير البلد نحو انفجار كبير، أم أنّه سيجد توازناً جديداً يمنع الانهيار الكامل؟ الإجابة لا تزال معلّقة بين إرادة الداخل، وضغوط الخارج، وصمود الناس الذين أنهكهم إهمال الدولة لمشاكلهم .




