الخميس - 14 مايو 2026

ثوابت العراق في علاقاته مع اليمن ولبنان..!

منذ 5 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

عادل الجبوري ||


من الطبيعي جدا أن يثير الخطأ الذي وقعت به لجنة “تجميد أموال الإرهابيين” التابعة للبنك المركزي العراقي، المتمثل بإدراج حزب الله اللبناني وحركة انصار الله اليمنية في قوائم الإرهاب، إلى جانب تنظيمي القاعدة و”داعش”، عاصفة غضب واستنكار واسعة لدى العديد من الأوساط السياسية والشعبية العراقية. لان ذلك الخطأ سواء كان مقصودا أو غير مقصود، ينطوي على رسائل سلبية للغاية، تتقاطع مع مجمل المواقف الإيجابية،

والعلاقات الطيبة بين العراق من جانب، واليمن ولبنان من جانب اخر، والتي برزت وتجلت مصاديقها في كثير من المحطات الحرجة والمنعطفات الخطيرة.

وحسنا فعلت رئاسة الحكومة العراقية، وحسنا فعل البنك المركزي في الإقرار بحصول الخطأ، والإسراع إلى تداركه. بيد ان القضية ربما تكون أعمق وابعد من مجرد خطأ عابر، لان مثل تلك الأخطاء، لا يمكن أن تمرّ وتأخذ طريقها بيسر وسهولة عبر حلقات متعددة، دون ان يتوقف احد عندها. وهذا ما ينبغي ان تبحث فيه اللجنة أو اللجان التحقيقية المشكلة من قبل رئيس الوزراء، للوقوف على حقيقة ما حصل، وكيف حصل، ولماذا حصل؟.

وبعيدا عن الاستغراق في التساؤلات المشار اليها آنفا، فإن هناك جملة حقائق ومعطيات، لابد ان تكون حاضرة بقوة عند أي تقييم، حتى ندرك حجم وفداحة الخطأ الحاصل، المقصود أو غير المقصود.

ومن هذه الحقائق والمعطيات هي، إنَّ حزب الله اللبناني أرسى منذ تأسيسه عام 1982 علاقات إيجابية طيبة مع مختلف القوى والشخصيات السياسية العراقية، التي كانت تمارس العمل السياسي المعارض لنظام حزب البعث حينذاك من المهاجر والساحات المختلفة في إيران وسوريا ولبنان وأوروبا.

وما ساعد في إرساء تلك العلاقات الإيجابية الطيبة هو انحدار قيادات وكوادر حزب الله من نفس المدرسة التي ولدت من رحمها الكثير من القيادات والكوادر السياسية والجهادية الإسلامية العراقية.

والحقيقة الأخرى، انه بحكم القواسم الدينية والعقائدية والثقافية والاجتماعية المشتركة، والثوابت السياسية بين حزب الله وطيف كبير وواسع من المكونات الاجتماعية والسياسية العراقية، كانت التحديات والمخاطر واحدة أو متشابهة، وهو ما أوجد ظروفاً ملائمة -وملحّة في كثير من الأحيان- للتعاون والتنسيق وتبادل التجارب والخبرات، وبالتالي التأسيس لمناهج عمل وتحرك ذات طابع استراتيجي يتجاوز الأهداف الآنية المرحلية والحسابات والآفاق الضيقة.

والحقيقة الثالثة، تتمثل في تعاطى حزب الله اللبناني مع مجمل أحداث الساحة العراقية بعد سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003، وخضوع البلاد للاحتلال الأميركي، بشكل عقلاني ودقيق، فهو في الوقت الذي لم يقحم نفسه في تفاصيل الخلافات والاختلافات الداخلية، فإنه أكَّد مواقفه المبدئية التي لا تعد بأيّ حال من الأحوال تدخلاً في الشؤون الداخلية، من قبيل رفض وجود الاحتلال والتعبير عن الدعم والتأييد السياسي للقوى المناهضة له والساعية إلى إنهائه.

وبعد ذلك، كان لحزب الله وقفة مشرفة وشجاعة مع العراق في التصدي لخطر تنظيم “داعش” الإرهابي، صيف عام 2024، حينما اجتاح عدة مدة عراقية، ووصل إلى تخوم العاصمة بغداد والمدن الدينية المقدسة، كسامراء والنجف والكاظمية وكربلاء.

فقد وضع حزب الله كل خبراته وتجاربه العسكرية القتالية والأمنية، من خلال المستشارين والخبراء في شؤون المعارك والحروب، بين أيدي العراقيين، بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني في الثالث عشر من حزيران 2014 وتأسيس الحشد الشعبي.

وقد كان لدور الحزب الداعم والمساند، ومعه الدور الإيراني، الأثر الكبير في تطوير القدرات القتالية لمقاتلي الحشد الشعبي، وفي المساهمة بوضع الخطط العسكرية الناجعة لتسريع إلحاق الهزيمة بـ “داعش” الارهابي.وفي واقع الأمر، انطلق الدعم والإسناد الاستشاري من حزب الله للعراق في حربه ضد “داعش” من حقيقة أنَّ العراق لم يكن المستهدف الوحيد، بل إنَّ المخطّط الداعشي التكفيري كان يستهدف منظومة إقليمية واسعة، بدولها وشعوبها ومكوناتها المتعددة والمتنوعة، ولم يقتصر على مكون مذهبي معين، وإن كان المكون الشيعي في إطاره العام يعد أكبر وأكثر المستهدفين.

اما الحقيقة الرابعة، فهي أن هناك قاسما مشتركا مهما بين العراق وحزب الله- وعموم لبنان- يتمثل بالرفض القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني بكلّ أشكاله ومظاهره وصوره، ومساندة القضية الفلسطينية بأقصى الإمكانيات، وهذا ما برز وتجلى واضحا خلال معركة “طوفان الأقصى” في غزة والعدوان على لبنان قبل اكثر من عامين، اذ وقف العراق مساندا للشعبين الفلسطيني واللبناني بأقصى امكانياته، مثلما وقف حزب الله وأطرافٌ أخرى، مساندا وداعما له-أي للعراق-عندما تعرض للعدوان الداعشي.

ولعل ما يصدق على حزب الله اللبناني يصدق على حركة انصار الله وعموم الشعب اليمني، وان كان هناك اختلافا في بعض التفاصيل والجزئيات.

ولا شك أن هذه الحقائق والمعطيات الماثلة بقوة ووضوح على ارض الواقع، لا تحتمل أن يمر خطأ فادح، من قبيل إدراج حزب الله والحوثيين في قوائم الإرهاب، مرور الكرام في الشارع العراقي، والاوساط والمحافل والنخب السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية العراقية.

ومن غير المعقول ولا المنطقي ولا المقبول، أان يصنف من قاوم وواجه الإرهاب الداعشي والإرهاب الصهيوني، بأنه إرهابي، بينما يرشح من ساهم في قتل المقاومين والأطفال والنساء، وتشريد المدنيين الأبرياء، وتدمير العمران، لنيل جوائز السلام!.