الخميس - 14 مايو 2026
منذ 6 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

“الناصرية” الجنوبية مدينة الشهداء والشعراء، لا يمكن أن تُختزل في منصةٍ حمراء تهتزّ على وقع ضجيجٍ يعلو على صوت تاريخها المشرِّف.

إنّ ما شهدته بعض مدن المحافظة مؤخرًا من حفلات راقصة اتّسمت بالمبالغة والخروج عن سياق الذوق والأدب، أثار موجة واسعة من الاستهجان الشعبي، ليس تطرّفًا، بل دفاعًا عن هوية مدينة -كما أكثر مدن العراق- ترى في الأتزان الاجتماعي والالتزام الديني قيمة لا تُفرَّط بها قبال أهواء أفرزتها ثقافة الغرب الرخيصة.

فمدينة ذي قار التي قدّمت خيرة أبنائها قرابين على مذبح العفاف والحرية، وحافظت على صلابتها رغم المحن العاصفة، لا يمكن أن ترضى بتحوّل منظومتها الى ساحة دياثة وميوعة، بحضور تجّار الهوى وسماسرة العهر.

الناصرية ليست مكانًا لعرض الأجساد، ولا بوابة لتمرير ثقافة مشوّهة تتستّر خلف شعارات مستوردة “الحرية الشخصية” “الانفتاح”!!

من الذي قرر أن يستبدل قيم الناصرية بتهريجٍ على منصات رخيصة؟ ومن هو المسؤول عن السماح بنشاطٍ يدفع بالمراهقات دون شعور في حضن مطرب رخيص بكل جرأة، وهي تصرّ على التقاط صورة أمام عشرات الكاميرات مشفوعة بقبلة طائشة.

إنّ مثل هذه المشاهد ليست مجرد ترفيه، ولا حرية شخصية كما يعبّرون، إنها صدمة مجتمعية تهزّ منظومة قيمٍ يعرف أهل الناصرية جيدًا قبل غيرهم معنى الحفاظ عليها والاعتزاز بها.

كما لا يُعدّ هذا سقوطًا أخلاقيًّا وحسب، إنما تراخيًا وفشلًا إداريًا، وتهديدًا لسلامة المجتمع، واعتداءً على بيئةٍ تقف بصلابة أمام كل ما يَمَسّ كرامتها.

فقد يتكرّر المشهد ولا من رادعٍ سوى ضجيج عبثيّ صارخ، وفوضى لَغَوية لا تُشبه جوهر المدن العراقية المحافِظة، إنما هي عملية تجاوُزٍ واضح على الحياء والمروءة، وسلوكيات لا تليق ببيئة اجتماعية محافِظة.

فالمجتمع اليوم، حينما يرفع صوته رافضًا لحفلات الطرب والفسوق، لأنه يدرك أنّ الفرح لا يُبنىٰ على هتك الحياء، ولا على تطبيع سلوكيات دخيلة تحاول أن تتسلل الى مجتمعنا بثوب الانفتاح وتحت مسمّى الفنّ، بينما هي في الواقع فوضىٰ وهرج يفتقر للضوابط المجتمعية والأخلاقية، بعد تحوّلِها إلى مساحةٍ للهَياج والحيوَنة، وقد برزت فيها سلوكيات تخدش الحشمة وتتعدّىٰ حدود الله، استفزازًا للضمير العشائري الأصيل.

من هنا، فإن الرفض الشعبي الواسع ليس سوى رسالة واضحة للجهات المعنية لتؤكد:

-إنّ عنوان الترفيه ليس مشروع انفلات ومصادرة للضوابط الأخلاقية والعادات الشريفة.
-كما لاقيمة للفنّ إذا ساهم في هتك الأعراف الأصيلة.
-أن مسؤولية المؤسسات لا تقتصر على تنظيم الفعالية وحسب، بل تبدأ بتأمل نتائج مشاريعها العشوائية: هل يناسب هذا المشهد هوية مدينتنا؟!
-الناصرية وأهلها أجلّ من أن تكون مجرد يافطة لمشهد هابط، وأرفع من أن تُختزَل في مقطعٍ مرئيٍّ مبتذل يتداوله الناس كفضيحة مدوية.!!

وبالتالي.. ما يحدث اليوم هو دعوة لإعادة ترتيب البوصلة، فالمجتمع يطالب بفنّ له قيمة عُليا، ويليق بمدنٍ تحمل في ضميرها ذاكرة ثقافية حضارية روحية، لا تُفرّط بمبادئها وتتخلّى عن حيائها في لحظة صخب عابرة.

لذا..فالكل مدعوّ لاستنهاض الهمم الغيورة، لمنع مثل هذه الحفلات الماجنة والتي من شأنها هدم البلد وتدمير بُناه القيَمية، فضلًا عن احتمال حلول الفجائع بسببها حسب السنن الكونية، في وقت العالَم كله يرجو الفرج والنصر والأمان، وإنّ العراق بيت الجميع، بيت المستضعفين.

والبيت الذي يُسمع فيه الغناء كما وصَفهُ الإمام الصادق من آل محمد “عليه السلام” بــ”بيتٌ لا تُؤمَن فيه الفجيعة”.

ويشمل هذا المصطلح كل بيت يعتاد سماع الغناء، سواء كان ذلك من خلال وجود مطربين أو بواسطة تشغيل التسجيلات، وهو ما يعتبر مصداقًا شرعيًا لهذه الحالة الشيطانية.

فلترتقي الدولة ولتتّقِ الله، وليرتقي المجتمع، ولترتقي العوائل بمستوى الذائقة، وتقديم فنّ يُغني الروح بالمعارف، لا يُشوّه الملامح ويُسقط النفوس في وَحلِ الرذائل.

٢-جمادي الآخر-١٤٤٧هـ
٢٤-تشرين الثاني-٢٠٢٥م