الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 7 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

في الطريق إلى الرضا، الروح تعبَقُ بالرضا، تتوكّأ على الشوق، تُسنِد أنفاسها على الرجاء، كأنّ الزمان ينطوي، والطرق كلّها تنحني لتقودها نحوه، وكلما لاحت معالم الطريق، يستعيد القلب نبضه، وتتصاعد التناهيد بصبرها المكلوم، تائقة إلى رحاب الله في حضرته، تتلمّس في أعتابه نورَ السكينة، علّها تُعيد ترتيب فوضاها، فكأنّ النداء جاء من عمق الغيب أنِ اقبِلي، فعندَ الرضا دواءُ المتعبين.

كم مرّةٍ حاولتُ أن أصف هذا الشعور، فيعجز الحرف، ويتلعثم القلم، إذ ليس ثمّة مافي اللغة ما يترجم احتراق الأرواح حين تنادي وليٌّ من أولياء الله، وليس ما في البيان ما يعبّر عمّا في قلبِ الملتاع، عندما يظَلّ يبحثُ عن موطئ سكينة تحتويه، حتى دلّهُ الله على طوس الرضا.

يا غريبَ طوس، ما أقربك إلى كلّ غريبٍ أنهكه البعد، وما أحَنّك على القلوب اليتيمة التي لم تجد إلّا ظلّك دِفأً من صقيع الدنيا، واختلاف الأهواء.

يابن موسى، قد حططتُ رحلي بفنائك، مثقلة بضعفي، محمّلةً بالرجاء، وليس معي من الزّاد سوى حرقة لن تنطفئ، وأنينٍ هامسٍ لم تمْحُهُ الأيام، وقد خبَّأتهُ بين ثنايا مناجاتٍ ودعاء.

أعلمُ أنّ الطريق ليس طويلة لمن أحبَّكم، فالطريق إليك ليس سَفرِ وحسب، بل طريق عروجٍ على جناح الشوق، والمسافات تذوب كلما تلوح أنوار قبابك، تكاد القلوب تطير حين تبصرها ناصعة، وكلّ متاع الراحل أملٌ يحدو به، وقلبُ راضٍ مطمئن، يسوقه يقينه رغم ضعفه، لا يرجو سوى نظرةٍ تُبدّد غيومه، لتذوب كما يذوب الثلج في حضرة الشمس.

يا كافل القلوب، امنحني من سكينتك ما يُعينَني على أمر دنياي وآخرتي، واغمرني بلطفك ما يجعل قلبي يقيم عندك ليصل، لا ليستريح وحسب، وإن غادرتُ بجسدي فأكرمني بسلامك، ورضًا من رضاك، وفيضًا مما كنتُ أبحث عنه في العَتمة، لأعود من رحابك خفيفة على جناح عونكم، متوضِّئةً بدموع الصدق، مطمئنةً بأنّي بلغتُ الدار التي بها شفاء الأرواح، ونقاء النفس من أدرانها، وجلاء القلب من تعبِ الدنيا، إلّا تعبِ الحنين إليكم فإنّهُ يتجدّد، كلّما اقترب موعد انتهاء الرحلة.

فسلامٌ عليك أنيسَ النفوس، ما أشرقت شمسُ الأمل في قلوب التائقين، وما احتوَت سماء طوس أفئدة الحائرين، سلامٌ عليك عددَ الأنفاس التي تناديك سرًّا وجهارًا، سلام على المَلَكِ المُوَكَّل بحرمك، وهو يحملني على جناح الشوق الى عشِّ آل محمد، حيث حرمِ المهابة “كريمة الآل فاطمة المعصومة “عليها السلام” شريكة الغربة، والموسومة بالإخلاص والطاعة.

وفي فناء جمكران، يتبدّل الشعور،
وعند استنشاق أول نسمة، يتدفّق الإحساس خاشعًا في حضرة الصاحب، كتدفّق الشلال من قمّة الجبل، فتنهمر الروح بنفحاتٍ تُعيد ترتيب الأنفاس المضطربة، فتتعافى من ضجيج العالم.

وبين الثنايا صرخة دفينة، تنطلق مع الندبة في لحظة ضعف عند ترتيلةَ “عزيز عليًّ أن أرى الخلق ولاتُرى..”
فيا مولاي خذ بيدي، كما يأخذ الأب الحنون بيد طفلٍ أضاع الطريق، دلّني على نفسي إن تاهت، وذكّرني أنّ الحاجة إليكم، لا تعني انكسارًا، بل سموًّا يفيض على القلب ما يُورق في داخلي يقينًا، ونفحة من الأنس، ما يُعيد لروحي الأمل في الوصول وإن ضاقت بي سبل الدنيا.

٢٦-ربيع الثاني-١٤٤٧هــ
١٩-تشرين الثاني-٢٠٢٥م