الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 7 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

كلّما تفوق إحساس المرأة الحقيقي بآدميّتها، كلّما ثبتَ نجاحها، كونها إنسانة بأبعادها المعنوية. فقد وضّح القرآن هذه الحقيقة عندما لم یفرّق بين الرجل والمرأة في امتلاك الکرامة الذاتية، بل یقول علی نحو الإطلاق:

«وَ لَقَدْ كَرَّ‌مْنَا بَنِي آدَمَ..» الاسراء٧٠. وجملة «بني آدم» هو نصٌّ صریح في نوع الإنسان، الذي يُطلَق بنحو التساوي علی الرجل والمرأة، وهذا ما أكدته كتب التفسير بالإجماع.

أمّا النجاح الذي يُوهِم المرأة اليوم بأنّهُ نجاح، وهو عين النقص والفشل هو ذاك الذي تحقّقهُ بعض النساء عِبر التعرّي واستعراض المفاتن، وتحويل آدميّتها الى سلعة ووسيلة لجلب المشاهدات، وكسب المال على حساب أنوثتها، فهذا هو السقوط بعينه، والانحدار الى مستنقع الرذيلة!.

ولو تأمّلَت المرأة رأفة ربّها ومداراتهِ،
وتكريمهِ لها، منذ لحظة ولادتها إلى حين مَماتها، لَما استعرضت حالها وشرَتهُ بثمَنٍ بخس!.
فالله “عزوجل” لم يطلب منها ولم يحمّلها عناء طلب الرزق والسعي له، حفظًا لها وصونًا لفطرتها التي خلقها عليها، فجعلها ريحانة لا قهرمانة.

وعند تسلیط الضوء علی حالات الأمم والشعوب السالفة، نشاهد أنهم اعتبروا النساء جزءً من ممتلكاتهم، كما الحيوانات وأثاث بيوتهم، ولم يكن الناس یومذاك قد آمنوا بأنّ الأنثى مخلوقة أو إنسانة، فصدح القرآن بما يُدِلّ على المرأة بأنّها إنسانة مكرّمة، وأعلن عن المساواة بينها وبين الرجل في الخَلق والهوية
الإنسانية، أمّا من حيث المشاعر الروحية والقيم المعنوية، فقد أكّد ذلك من خلال الخطاب الموحّد في القرآن کقوله “عزوجل”:

«ياأيها الناس» و «يا أيها الّذين آمنوا»، ممّا يعني، أن ليس ثمّة فارق أو اختلاف أو تمییز بين الرجل والمرأة في الخطاب القرآني، بل إنّ الهدف الرئيسي من تلك الخطابات، هو كِلا الجنسين الرجل والمرأة.

من هنا، اعتبر الإسلام المرأة، بأنّها أحد العنصرین المهمّین والنواة الحقیقیة، والمکوّن الأساسي في تواجد الإنسان، وأنّ الفارق الأصلي لکلّ منهما عن الآخر هو “التقوی” الإلهية، إذ قال “عزوجل”:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ‌ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ‌فُوا إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَاللَّـهِ أَتْقَاكُمْ»الحجرات١٣.

كما صرّح أيضا في آیة أخری أشدّ وضوحًا “بتساوي الخِلقة” بین الرجل والمرأة، وأنّ الرجل والمرأة قد وُجِدا من حقیقة واحدة، ألا وهي “الاعتبار بالإنسانیة”، قال تعالی:

« يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ‌بَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِ‌جَالًا كَثِيرً‌ا وَنِسَاءً» النساء ١

فما بقيَ على نسائنا اليوم، سوى أن يُدركنَ فضل الإسلام عليهنّ، في إحیاء شخصیة المرأة وصونها عن العبث والتلاعب في شأنها، مقارَنة بما تسمى بالمرأة الغربية، وكيف صنع منها الغرب دمية، يستطيع أي أحد اللعب بها، أو اقتنائها متى شاء، فتراها تعيش سكرة الشهرة، ووَهمُ النجاح.

وأخيرًا يمكننا القول: أنّ الفرق بين النجاح عند المرأة المتاحة لأي أحد، والنجاح عند المرأة المصونة المكرّمة، العارفة حدودها، الواقفة عند حدود الله هو:

إدراك المرأة حقيقة ذاتها، والمَهمّة الموكِلة إليها “كأنسانة” لا “أنثى” وحسب، كما عليها أن تدرك بوَعيها، المخاطر الأخلاقية والاجتماعية الناتجة عن التشبّه بالثقافة الغربية، التي يتجلّى فيها، اضمحلال القيم ومصادرة المبادئ الإسلامية، وفقدان الهوية، والتردّي في مستنقع الرذيلة.

فإذا وعَت نساؤنا، أنّ المظهر لم يكن يومًا هو المعيار الذي يؤشر على صلاح المرأة، وإن فهِمَت أنّ النزول الى ميادين الحياة دون ضوابط السماء هو ميزان النجاح، فقد أدركت معنى الكرامة التي حباها الله بها.

فإنسانية المرأة ونجاحها، هو مايُثبِت معنى جوهرها، عبر إنجاز تكليفها ورسالتها الحقيقية، التي ترسّخها حركة الفضيلة، وسَيْر الإستقامة في المجتمع، فالمرء رجلًا كان أو أمرأة، إنما هو إنسان بأنسانيته وجوهره وعفته، لا ببهرجتهِ وطيشه، واستهتاره بذاته.

١٢-ربيع الثاني-١٤٤٧هــ
٤-١٠-٢٠٢٥م