مجموعة ورثة الحق والأمانة..القصة الأولى: الأب المعلّم والطفل..!
جليل هاشم البكاء||

كان الليل ساكنًا، والبيت غارقًا في سكون ثقيل، لا يكسره إلا همسات الريح عند النوافذ. الطفل الصغير استلقى على فراشه، يتقلّب بين نعاسٍ ودموع خفية، فقد كان يفتقد والده المعلّم الذي غاب ولم يعد. كانوا يقولون له: أبوك أُخذ… ثم أُعدم، لكنه لم يفهم سوى أن أباه اختفى، وترك وراءه فراغًا في القلب والبيت.
في تلك الليلة، رأى الطفل حلماً عجيبًا:
دخل أبوه المعلّم عليه، بنفس ثوبه الأبيض الذي كان يلبسه، ورائحته الطيبة التي كان يميّزها. جلس عند طرف السرير، ووضع يده على رأسه بحنان لم يذق مثله منذ سنوات. ابتسم الأب وقال بصوت هادئ عميق:
قال له يا ولدي … كن حاضرًا ولا تغب
ارتجف الطفل من المفاجأة، لكنه شعر بدفء يملأ قلبه. رفع رأسه وسأله ببراءة:
– أبي، لماذا تركتني؟ لماذا لم تعد من المدرسة؟
تنهد المعلّم، ومرر يده على شعره:
لم أتركك يا بني … لقد أخذوني بعيدًا، لكن روحي لم تغب عنك. أنا معك في كل كلمة تتعلمها، في كل كتاب تقرأه، وفي كل موقف تختار فيه الحق على الباطل.
ثم نهض الأب من مكانه، ومدّ يده إلى مكتبة صغيرة في الغرفة، أخرج منها كتابًا كان قد أهمله الطفل منذ غياب أبيه. فتح الكتاب وأشار إليه:
تعلم، لا تدع أحدًا يسرق نورك. فالعلم يا ولدي هو السلاح الذي لا يغلبه سيف.
اقترب أكثر، وكأنه يزرع الكلمات في قلبه:
إياك أن تبيع صوتك أو تساوم على حقك، ولا تكن غائبًا عن موقف يُحتاج إليك فيه. فالغياب ضعف، والحضور قوة، والحياة يا بني امتحان لا ينجح فيه إلا الصادقون.
ثم صمت قليلاً، وبدت عيناه دامعتين. رفع يده إلى السماء وقال:
واحذر من الخديعة … ومن يريدك تنسحب
أراد الطفل أن يمسك بيد أبيه، لكنه شعر أنها تتلاشى شيئًا فشيئًا، مثل خيط ضوء يذوب مع الفجر. صحا من نومه مفزوعًا، فإذا بدمعة ساخنة على خده، وكلمة واحدة عالقة في قلبه: كن حاضرًا.
مرت السنوات، وكبر الطفل. كلما واجه موقفًا صعبًا، تذكّر يد أبيه على رأسه، وصوته يهمس في أذنه: لا تغب. وعندما جاء يوم الانتخاب، وقف أمام صندوق الاقتراع، وسمع بين ضجيج الناس صوت أبيه يتردّد بوضوح في داخله:
واصرخ بصوت عاليا … ضد الفساد والكذب
فصوّت بضمير حيّ، وأدرك أن وصية أبيه لم تكن حلمًا، بل أمانة في عنقه.




