الخميس - 14 مايو 2026
منذ 8 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

عادل الجبوري ||

 

 

صرح السفير البريطاني في العراق “عرفان صديق”، قبل عدة أسابيع، بأن الحاجة الى الحشد الشعبي انتفت، وينبغي حله او دمجه في المؤسسات الأمنية الرسمية للدولة العراقية، وقال بالتحديد “ان تشكيل الحشد الشعبي جاء لمحاربة الإرهاب ممثلاً بتنظيم الدولة، وطالما انتهت مهمته بدحره فلم تعد هناك حاجة إليه”..

وجاءت تلك التصريحات التي اثارت موجة واسعة من الغضب والاستياء والرفض لدى مختلف الأوساط والمحافل السياسية والشعبية العراقية، بعد وقت قصير من سلسلة تحذيرات أميركية من تبعات اقدام البرلمان العراقي على إقرار قانون الحشد الشعبي، وردت على لسان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، ووزير خارجيته “ماركو روبيو”، والقائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد “ستيفن فاجن”، ومسؤولين اميركان اخرين، ناهيك عن مؤسسات بحثية وإعلامية أميركية عديدة.

وهنا، فيما يتعلق بتصريحات السفير البريطاني، ينبغي الإشارة الى مسألتين، الأولى هي ان المعروف والشائع عن بريطانيا التي كانت تحكم وتتحكم بأميركا، حينما كانت امبراطورية عالمية عظمى لاتغيب عنها الشمس، باتت منذ الحرب العالمية الثانية، او بعدها مباشرة، تابعة وخاضعة في مجمل مواقفها وسياساتها وتوجهاتها للولايات المتحدة الأميركية، حتى ان البعض كان ومايزال يصفها من باب التهكم والسخرية او من باب توصيف الواقع بدقة، بأنها اشبه ما تكون بولاية أميركية تتمتع بأستقلالية شكلية اكبر مما تتمتع به الولايات الخمسين!،

حتى انها-أي بريطانيا-نادرا ما تبنت طيلة الثمانين عاما المنصرمة موقفا او مواقفا مختلفة عن المواقف الأميركية بخصوص قضية ما. ويبدو هذا الامر واضحا وجليا الى حد كبير بالنسبة للعراق، فهي التي القت بكل ثقلها وامكانياتها وقدراتها مع الولايات المتحدة لدعم واسناد نظام صدام في حربه ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية طيلة ثمانية أعوام، وهي التي سارت وراء الولايات المتحدة في حربها لتحرير الكويت في عام 1991، وفعلت نفس الشيء في حرب اسقاط نظام صدام واحتلال العراق عام 2003.

ولم تكن مواقفها الحقيقية لا الظاهرية، ايجابية تجاه مجمل العملية السياسية والتحديات والتهديدات الأمنية التي واجهها العراق طيلة عقدين من الزمن. بل واكثر من ذلك، فإنه في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية تتصدر المشهد وتحاول ان توجه وتتحكم بصورة علنية واضحة عبر ادواتها العسكرية، فإن بريطانيا كانت -ومازالت-هي التي تخطط بهدوء وخبث من وراء الكواليس، مستخدمة أدوات ووسائل ناعمة، ومستندة الى مبدأها الاستعماري المعروف (فرق تسد Divide and rule).

والنقطة الأخرى تتمثل في ان السفير البريطاني الحالي، المسلم ذي الأصول الباكستانية، لم يكن اول سفير يقحم نفسه في قضايا وملفات داخلية، بل ان زملائه الذين سبقوه فعلوا نفس الشيء وربما اكثر. فقبله السفير ستيفن هيتش، كان في الوقت الذي يحرص على حضور مجالس العزاء الحسيني التي يقيمها بعض الساسة العراقيين، فإنه كان بين الفينة والأخرى يطلق التصريحات الاستفزازية التي تتجاوز الى حد بعيد مساحات العمل الدبلوماسي،

وقبله كان السفير ستيفن هيكي، الذي حاول ان يناغم العراقيين ويقترب الى قلوبهم من أبواب المطابخ، حيث كان يحرص على ترويج المقاطع الفيديوية التي يظهر فيها وهو يقوم بتهيئة الاكلات الشعبية العراقية، ومن خلالها يقول ما يريد قوله، ويسوق ما يبغي تسويقه، على قاعدة (دس السم في العسل).

ومع تنوع الأساليب والسلوكيات والاهتمامات والمساحات، فإن الهدف واحد لدى لندن ومعها واشنطن. والسفير البريطاني الجديد، الذي تولى مهامه في بغداد في اذار-مارس الماضي من هذا العام، لم يتحدث بصفته الشخصية، كما هو الحال مع من سبقوه، وان كانت نبرة الحديث وطريقة الطرح ودرجة حدته تتفاوت من واحد الى اخر. فهذا الأخير بدا اكثر وضوحا وصراحة وابتعادا عن السياقات واللياقات الدبلوماسية، حين ادعى “ان الحشد الشعبي يمثل تهديدا للعراق نفسه، لأن فصائل منضوية فيه لا تلتزم بقرارات القائد العام للقوات المسلحة، إضافة إلى أنها تهدد دولا أخرى، لأن بعضها سبق أن استهدف أهدافا بالمنطقة، وبالتالي فهي تستجلب الخطر للبلد، وهذا خارج إطار سياسة الدولة”.

وحسنا فعلت وزارة الخارجية العراقية-وان كان ذلك غير كافيا-حين سجلت اعتراضها الرسمي على تلك التصريحات، معتبرة إياها “مخالفة للأعراف الدبلوماسية، وتدخلاً في الشؤون الداخلية للدولة”. وان “هذا السلوك يتعارض مع أحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تُلزم الممثلين الدبلوماسيين بإحترام قوانين وأنظمة الدولة المضيفة، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية”.
ولعله ينبغي على الحكومة العراقية طرد السفير البريطاني، مثلما فعلت حكومات أخرى في أوقات سابقة،

كالحكومة السودانية، حينما طردت السفير البريطاني “جايلز ليفر” في تشرين الأول-أكتوبر 2021، بسبب انتقاده اجراءات الجيش السوداني حيال الحكومة في ذلك الحين.

ومثلما ان الحزم مطلوب في المجالات الأمنية والعسكرية، من اجل الحفاظ على امن واستقرار الدولة والمجتمع، وترسيخ مباديء الاستقلال والسيادة الوطنية، فإن الحزم في المجالات الدبلوماسية والسياسية مطلوب هو الاخر، ومن خلال ادواته ووسائله وسياقاته الخاصة. فمن غير المعقول ولا المقبول ولا المنطقي ان يخوض هذا السفير او ذاك الوزير في دولة ما بقضايا داخلية بحتة، وكأنه جزء من تلك الدولة ويشغل موقعا فيها.

ومن المهم جدا ان يتذكر السفير “عرفان صديق”، ان عهد الاحتلال والانتداب البريطاني انتهى منذ زمن بعيد، وهو الان يشغل منصب سفير بمهام ووظائف محددة، وليس مندوبا ساميا يحكم كيفما يشاء، ويتحكم بمن يشاء!.