الجمعة - 15 مايو 2026

قراءة استراتيجية: حول الانسحاب الأمريكي من قاعدة عين الأسد..!

منذ 9 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

ناجي الغزي/ كاتب وباحث سياسي ||

 

 

 

إعلان الولايات المتحدة انسحاب قواتها من قاعدتي عين الأسد في الأنبار وفكتوريا في بغداد يمثل إعادة تموضع استراتيجي تنقل ثقلها العسكري نحو أربيل وفضاءات إقليمية أوسع. هذا التحرك يعكس تحولاً عميقاً في الحسابات الأمريكية تجاه العراق والمشرق العربي، فلا يعني التراجع عن الحضور، بل إعادة صياغته من قواعد برية مكشوفة مرهقة، إلى مواقع مختارة تمنح واشنطن القدرة على إدارة النفوذ بمرونة أكبر، وتقليل المخاطر المباشرة، وزيادة الجدوى الاستراتيجية.

مغادرة الأنبار، التي شكّلت رمزاً للهيمنة الأمريكية واستنزفت القوات بفعل الهجمات المتكررة، تمثل التخلي عن “الوجود في قلب العاصفة”، بينما التمركز في أربيل يوفر بيئة أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية، ويتيح مراقبة إيران وامتداداتها، وتعزيز الضغط في توقيت حساس مع تصاعد الخطاب الإيراني المناهض ووجود احتمالات للعمل العسكري الإسرائيلي. الخطوة تمثل بداية عقيدة واشنطن الجديدة القائمة على “المراقبة من موقع مريح”.

أولاً: البعد العسكري والعملياتي

قاعدة عين الأسد كانت تمثل الثقل العملياتي الأكبر للقوات الأمريكية في العراق، نظراً لقربها من العمق الجغرافي السوري والحدود الأردنية، إضافةً إلى موقعها في غرب العراق الذي يسمح بمرونة في الانتشار والعمليات ضد تنظيم داعش. ومع ذلك، تحوّلت هذه الميزة إلى عبء أمني، كون القاعدة أصبحت هدفاً ثابتاً للفصائل المسلحة المدعومة من إيران منذ عام 2019، ما جعلها أكثر تهديداً من كونها أداة ضغط فعالة.

حيث أصبحت المخاطر واضحة: وجود القاعدة في قلب بيئة عدائية حيث النفوذ الإيراني واسع، جعل الدفاع عنها وحماية خطوط الإمداد أمراً مكلفاً عسكرياً واستخباراتياً، مقارنة بالقيمة الاستراتيجية المتحققة. وفي ضوء ذلك، بدأت الولايات المتحدة تتبنى عقيدتها الجديدة، التي تميل إلى تقليص الاعتماد على القواعد البرية الثابتة، والانتقال نحو القواعد الجوية والبحرية المرنة، مع الاعتماد على حلفاء آمنين لضمان الانتشار الاستراتيجي.
هكذا، تحوّل البقاء في عين الأسد من ميزة إلى عبء، ما دفع واشنطن إلى البحث عن تموضع أكثر أماناً وفاعلية، يحقق أهدافها العسكرية دون تكبد تكاليف عالية ويضمن لها المرونة في التعامل مع التحديات الإقليمية.

ثانياً: البعد الاستخباراتي والأمني

وجود القوات الأمريكية في قاعدة عين الأسد معرضاً بشكل دائم لعمليات الفصائل المسلحة ما جعلها هدفاً مستمراً للطائرات المسيّرة والصواريخ، وخلق حالة من الانكشاف الأمني والاستخباراتي. في المقابل، توفر قاعدة الحرير في أربيل بيئة أكثر أماناً، سواء من حيث التنسيق الأمني أو جمع المعلومات الاستخباراتية.
أولاً- التعاون مع حكومة إقليم كردستان يتميز بالسلاسة مقارنة بالتنسيق مع الحكومة المركزية في بغداد، المثقلة بالضغوط السياسية والفصائلية.
ثانياً- الموقع الجغرافي لأربيل يجعلها نقطة محورية للرصد الاستخباراتي، فهي قريبة من الحدود الإيرانية والسورية والتركية، ما يتيح متابعة تحركات إيران في كركوك ونينوى، والنشاط التركي في الشمال السوري، إضافة إلى أي تحركات محتملة لتنظيم داعش في وادي الخابور والصحراء السورية.
ثالثاً- قرب أربيل من قواعد أمريكية رئيسية في تركيا مثل إنجرليك ومنطقة الخليج يسهل إنشاء شبكات دعم لوجستي متكاملة، تربط بين المعلومات والاستخبارات والعمليات الجوية، مما يعزز الفاعلية العسكرية ويقلل المخاطر المباشرة على القوات الأمريكية.

ثالثاً: البعد السياسي والاستراتيجي

يأتي الانسحاب الامريكي من قاعدة عين الاسد وفكتوريا بعد مناقشات الحكومة العراقية والولايات المتحدة حول الانسحاب الجزئي، وبخاصة في ظل قرار مجلس النواب العراقي في يناير 2020 الذي دعا إلى إنهاء وجود جميع القوات الأجنبية، بما فيها الأمريكية، على الأراضي العراقية. كما يُعزز الانسحاب تطبيق الاتفاقية العراقية – الأمريكية للإطار الاستراتيجي، حيث قالت الولايات المتحدة والعراق في بيان مشترك، يوم الجمعة المصادف 27/9/2024 ، إن المهمة العسكرية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق ستنتهي بحلول سبتمبر/أيلول 2025، على أن يتم الانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية.

وأوضح البيان المشترك أن التحالف ستنتهي مهمته خلال 12 شهرا وفي موعد أقصاه نهاية سبتمبر/أيلول 2025.والتي حددت أطر التواجد العسكري الأمريكي داخل العراق، بما يسمح بالتحول نحو شراكة أكثر تحديداً وأماناً.

ويمثل الانسحاب الأمريكي مع تثبيت الوجود في قاعدة الحرير بأربيل نقطة تحوّل استراتيجية في مقاربة واشنطن للملف العراقي، إذ يتجاوز كونه إعادة تموضع عسكري ليعكس حسابات سياسية واستراتيجية دقيقة تهدف إلى تقليل المخاطر المباشرة مع الحفاظ على القدرة على الضغط والمراقبة في المنطقة.

فقد تحولت عين الأسد، رغم أهميتها السابقة، إلى نقطة ضعف بسبب الهجمات المستمرة من الفصائل المسلحة، ما جعل الدفاع عنها مكلفاً وغير مجدٍ على المستوى الاستراتيجي.
في المقابل، يمثل تمركز القوات في أربيل خطوة محسوبة، فهو يوفر موقعاً آمناً وفعّالاً استخباراتياً،. كما يعزز التعاون مع حكومة إقليم كردستان، الشريك الأكثر موثوقية بالنسبة للولايات المتحدة، ويشكل منصة للتأثير الإقليمي بعيداً عن بيئة بغداد المعقدة.

أما على الصعيد المحلي، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها إنجاز للحكومة العراقية، كونها مؤشر على قدرة الدولة في حفظ الأمن والاستقرار ومواجهة الإرهاب دون الاعتماد على قوى خارجية، نتيجة جهود سياسية حازمة لإنهاء ملفات أمنية معقدة مثل “يونامي”.

أما من منظور واشنطن، فالإعلان عن انتقال التحالف الدولي إلى شراكة أمنية ثنائية أكثر تقليدية، مع استمرار الجهود المدنية لمكافحة داعش وتحويل إدارة العمليات العسكرية المشتركة إلى وزارة الدفاع، يعكس استراتيجية جديدة تعتمد على مواقع مختارة، تقليل التورط المباشر، وتعظيم أدوات الضغط السياسي والاستخباراتي، ما يضمن نفوذاً فاعلاً في بيئة عراقية وإقليمية مضطربة.

رابعاً: الدلالات المستقبلية

تشير الخطوة الأمريكية إلى توجهات استراتيجية بعيدة المدى أكثر من كونها مجرد إعادة تموضع تكتيكي. فالانسحاب من قاعدة عين الأسد ينسجم مع سياسة أمريكية أوسع تهدف إلى تقليص الانخراط البري المكلف في الشرق الأوسط، مع الإبقاء على مواقع محددة ذات قيمة استخباراتية عالية، ما يضمن القدرة على المراقبة والتدخل عند الحاجة دون استنزاف الموارد.
في الوقت نفسه، يوفر التمركز في قاعدة الحرير بأربيل قدرة على تعزيز الردع المرن، إذ تتيح إدارة العمليات الجوية وتنفيذ الضربات الدقيقة ضد تهديدات داعش أو أي تهديد إيراني محتمل، دون الحاجة إلى انتشار بري واسع ومعرض للخطر.

كما يُكرس هذا التموضع تعزيز العلاقة الاستراتيجية مع حكومة إقليم كردستان، ويجعل الإقليم شريكاً مستقلاً وموثوقاً للولايات المتحدة، على نحو يشبه علاقاتها مع قطر أو الأردن. ومع ذلك، يشير هذا التحرك إلى انتهاك ضمني للاتفاقات الاتحادية للدولة العراقية، إذ يتجاوز الصلاحيات التقليدية للحكومة المركزية في بغداد، ويعيد تشكيل التوازن بين السلطة الاتحادية والإقليمية بطريقة تعطي واشنطن هامشاً أكبر للتحرك السياسي والأمني دون الاعتماد الكامل على بغداد.