التحوّل الرقمي المفاجئ في العراق… ألواح جديدة، أخطاء قديمة..!
رعد صباح زنكنة ||

في بلاد كُتبت فيها أولى القوانين على الطين، قررت الدولة أن تمحو الغبار عن الماضي وتقفز إلى المستقبل وفجأة ظهر التحوّل الرقمي كلوح طيني جديد: لامع ومُعقّد ومفروض على الجميع بلا نقاش ولا تمهيد.
منصات حكومية وبطاقات دفع ومحافظ إلكترونية ومراكز بيانات… أسماء براقة تتساقط كالمطر ولكن خلف هذا الوميض يقف مواطن مذهول لم يتعلم حتى كيف يفرق بين رابط رسمي وصفحة احتيال، فالدولة فتحت الأبواب الرقمية دفعة واحدة ولكنها نسيت أن تُعطي المفتاح الحقيقي: التثقيف.
النتيجة؟ مشهد يشبه كتابات مسمارية لا يقرأها إلا “الكهنة” وآلاف المواطنين وقعوا ضحية سرقات مالية وبطاقات سُحبت أرصدتها في ثوان ورسائل وهمية تحايلت على البسطاء، بينما كانت المصارف تكتفي بإصدار بيانات تحذيرية كأنها تعفي نفسها من المسؤولية، جهاز الأمن الوطني سجّل أكثر من 1,300 شكوى سرقة بطاقات خلال أسابيع قليلة وكأن الرقمنة تحوّلت إلى ساحة صيد مفتوحة.
المفارقة أن هذه القفزة الرقمية بدل أن تختصر الوقت والجهد صنعت طبقة جديدة من “الوسطاء الرقميين”، والمواطنون يدفعون مبالغ إضافية لأشخاص يعرفون كيف يتعاملون مع المنصات، فقط لأن الدولة لم تكلف نفسها عناء شرح أبجديات هذه الأنظمة وهكذا تحوّل التحوّل الرقمي من مشروع للتبسيط إلى متاهة معقدة يدفع ثمنها من لا يملك المعرفة.
أما الشركات؟ فقد تحوّلت إلى حراس بوابات، واغلب شركات دفع تابعة لنفوذ سياسي ومصارف تفرض عمولات خفية ومنصات حكومية بلا دعم حقيقي، فالمواطن بين مطرقة الاحتيال وسندان الاحتكار يمرر بطاقته وكأنه يسلّم مفاتيح بيته ليد غريبة.
التكنولوجيا هنا ليست المشكلة بل طريقة فرضها والتحوّل الرقمي بلا تثقيف يشبه نقش قوانين جديدة على ألواح طينية بلغة لا يفهمها أحد، والحكومة تبني مراكز بيانات متطورة لكنها لم تبنِ شبكة ثقة مع مواطنيها وحتى الآن لا قوانين تحميهم من الاحتيال الإلكتروني ولا حملات وطنية تعلّمهم كيف يحصّنون أموالهم.
إن استمر هذا المشهد فلن نكون أمام “رقمنة دولة” بل أمام رقمنة الفوضى وسنحصل على منصات متقدمة تُدار بوعي متأخر، ومواطنين يهربون من الخدمات الإلكترونية بدل أن يستخدموها.
الحقيقة القاسية أن التحوّل الرقمي ليس لوحة زينة نعلّقها في المؤتمرات بل إنه عقد اجتماعي جديد يحتاج إلى لغة يفهمها الناس وإلى آليات تحميهم قبل أن تجبرهم على الدخول في اللعبة.
وإلا سيبقى التحوّل الرقمي في العراق مجرد لوح طيني يروي حكاية شعب دخل العصر الرقمي بخوف، وخرج منه بجيوب فارغة.




