الجمعة - 15 مايو 2026
منذ 10 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

 

لقد اقتضت حكمة الباري “عزوجل”، وشاءت الإرادة الإلهيّة، أن يكون الإمام زين العابدين “عليه السلام” عليلًا يوم عاشوراء، لأسباب تنسجم مع وحشية بني أمية، وحقدهم على آل محمد”عليهم السلام” وتصفيتهم، حتى أثبت الزمان دوافعهم، يوم رفعوا شعار: (لاتُبقوا لأهل هذا البيت باقية) اقتلوا حتى الرضيع، ولاتذروا لهم ذكْرا!.

أما إرادة الله القدير، أبَت إلّا استمرارًا لسلسلة العصمة الطاهرة ولو كره الكافرون، فإنَّهم الثقل الأعظم لمحور الوجود، الذي يُفضي إلى عدم خلوّ الأرض من حجّة لله “عزوجل” مادامت السموات والأرض ولو لا وجود الحجة في كل زمان، لساخت الأرض بأهلها، ولانقلب عاليَها سافلها! وما تلك العلّة التي حاقت بالإمام السجاد “عليه السلام” وأقعدتهُ أيام كربلاء إلّا برهان على لطف الله “عز وجل”، الذي يطوّق الإمامة المؤيَّدة بتقليدها المعصوم بعد المعصوم، حتى تقلَّدها إمام مفترض الطاعة بعد الإمام الحسين”عليه السلام” وهو مستشهِدٌ لامحال!

وبذلك سقط وجوب الدفاع المسلّح عن الإمام السجاد في عهد ثورة أبيه الحسين “عليه السلام” ولو كان الإمام سليمًا معافى، وهو يسمع استغاثة الحسين “عليه السلام” لوَجَبَ عليه إغاثته، والذبّ عنه، كون المستغيث هو الحجة المقدَّم من آل محمد “عليهم السلام” فكانت العناية الإلهيّة والرعاية الربانيّة، هي الفصل والحَكَم،

لتُبقي العامل الأساس في حفظ هذا الإمام العظيم بالمرض الذي أُصيب به”سلام الله عليه” في تلك الأيّام المعدودة والعسيرة. وماذلك التدبير الإلهي، سوى محض لطفٍ وحكمة، ليكون سببًا ظاهرًا، لتصديق القوم، وتثبيت اعتقادهم، الذي يقضي عدم بقاء الإمام السجاد بعد أبيه الحسين “عليه السلام” فالعدو لايتردد في قتله آنذاك.

وبعد مقتل الإمام الحسين”عليه السلام”، أثبت السجاد ذلك الموقف الشجاع الجريء، عندما دخل مجلس ابن زياد رغم علّته، حيث أومأ إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا كما تثبُت الروايات.

فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبيَّ وصلّى عليه، فخطب خطبته العصماء معرِّفًا بنفسه ونَسبَه، فألقى الحجة البالغة على الناس، بما فيهم جبابرة بنو أمية حتى أذهلهم!! مما يدلّ على أنّ أهل البيت”صلوات الله عليهم” ذرية بعضها من بعض، من حيث الشجاعة والإقدام في نصرة الحق، والدفاع عن الإسلام، وليس كما تُظهره بعض القصص، على أنّه دخل مجلس ابن زياد محنيّ الظهر منكسرًا، مما لاينسجم وحقيقة آل محمد عند مواجهتهم الطواغيت، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نورهُ.

نور بعد نور، وصالح بعد صالح، وصادق بعد صادق، حتى يبلغ النور والصدق والصلاح ذروته، فيقف عند قطب محور الوجود، بقية سيف آل محمد، الإمام الغائب المنتظر “عجل الله فرجه الشريف” المدخر لأخذ ثأر جده الحسين وآبائه المظلومين، ومجدِّدًا للفرائض والسنن، ومحيِيًا للملة والشريعة، إلى آخر المهام الملقاة على عاتقه “أرواحنا فداه”
وبعد هذا كله،

يتّضح السرّ من بقاء الإمام السجاد عليلًا في يوم الطف ليكشف عن حكمة إلهية، قد لايسعنا خوض غمار بحرها الزخّار، ونحن نتأمّل ذلك التراث الثَّر مابعد الثورة الحسينية، الذي سطع شعاعه بزبور آل محمد {الصحيفة السجادية} وما ورد فيها من صور المناجاة التي برزت فيها معالم التصدّي السياسي، الذي التزمه الإمام “عليه السلام” بقوة منطق الدعاء، فكان أبرز مصداقٍ، ماجاء في دعائه “لأهل الثغور”في عصره؟!

من الأصحاب والجنود، المرابطين المتصدّين للدفاع عن النهج القويم، مقابل ما يهدّده من الأخطار الكبيرة، الفكرية منها والاجتماعية والعسكرية!، فإذا ما واجه الإسلام خطرًا يهدّد التوحيد المتمثّل بكلمة “لا إله إلا الله” أو الرسالة المتجلّية في “محمد رسول الله” فلا شك بأنّ الإمام يتجاوز كل الإعتبارات، ويهبّ مدافعًا عن هذَين الركنَين، ولو كان على حساب وجوده المقدس كأبيه الحسين “عليه السلام”.

ومن هذا المنطلق، نجد أنّ الإمام السجاد آنذاك كان الراعي الإلهي، المسؤول عن الأمة والرعية، فكرّس حياته بالحفاظ على وجود الإسلام المحمدديّ، الذي هو من أهم واجباته التي يلتزمها مدة إمامته “عليه السلام” فضلًا عن رعاية شعائر ذلك النهج، واستمرار مظاهره، ومتابعة مصالحه العامة، وتقديمها على غيرها من المصالح الخاصة.

وإنّ ماورد عنه “عليه السلام” إنما هو مصداق من جملة المصاديق التي تُعرّف دور الإمام السجاد “عليه السلام” ودلالات الحِكمة من بقائهِ، فأهل البيت “عليهم السلام” وحدة هدف وتعدّد أدوار كما عرّفهم المفكر الشهيد محمد باقر الصدر “قدس سره” وبهذا بقيت الأرض ثابتة بوجود الحجة والى يومنا هذا.

٢٤-محرم الحرام-١٤٤٧هــ
٢٠-تموز-٢٠٢٥م