الجمعة - 15 مايو 2026

ما يجري في سوريا هو مسرح صغير لصراع إقليمي كبير..!

منذ 10 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

د. إسماعيل النجار ||

 

 

هجوم قسد في الشمال السوري مساندة للدروز كأقليات أم إستغلال موقف في ظل إحتدام القتال جنوباً؟

بعد التدقيق المكثف في كل المراجع والمواقع تبين لنا بدايةً أنه لا يوجد أي تقارير موثوقة تفيد بأن تدخل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالأمس يهدف لتخفيف الضغط عن الدروز في الجنوب السوري(السويداء).

ما وقع بالأمس يوم (15 يوليو 2025)
من اشتباكات عنيفة بين عشائر بدوية ومسلحين دروز، أدت لمقتل وجرح العشرات من الطرفين جاءَت بتخطيط خارجي متفق عليه مع حكومة الجولاني.

وتم ذلك خلال إجتماع وزيري خارجية سوريا وإسرائيل في العاصمة الأذربيجانية “باكو” ونتيجة الإتصالات المكثفة أُعلن عن وقف إطلاق نار مؤقت بعد موافقة قيادات محلية درزية وفقًا لما صرح به وزير الدفاع السوري الذي حاول إخلاء المسؤولية عن حكومته ورفع تهمة رغبتها بتصفية الأقلية الدرزية وتطويعها! في المقابل، سلاح الجو الإسرائيلي شن سلسلة غارات جوية على آليات للنظام السوري (دبابات، ناقلات) بدعوى حماية الأقلية الدرزية ومنع النظام من نشر قوات قرب الحدود مع إسرائيل،

لماذا ظهر الالتباس بـ«قسد»؟

حصل الأمر لأن قوات سورية الديمقراطية كانت تعمل بشكل رئيسي في مناطق شمال وشرق سوريا، أما السويداء فهي في الجنوب ولا تقع ضمن مناطق نفوذها.

بسبب البعد الجغرافي وثانياً لعدم ربط النزاع بين الشمال والجنوب وتجنباً لانزلاف عبدي بمعركة لن يستفيد منها سياسياً. فأصبح من الطبيعي أن تُختلط الأمور عند الحديث عن “قوات محلية”، لكن لا يوجد دليل يشير إلى أن قسد هي من شاركت في ذلك الحدث لتخفيف الضغط لإختلاف الجغرافيا والمواقف. فالحديث عن تدخل قسد في هذا السياق غير دقيق، ويُفهم خطأً من الاستنتاجات الناشئة عن استخدام مصطلحات عامة مثل “القوات المحلية.

للتوضيح أن ما يحدث في السويداء بشكل سليم هو جزء من تفكك أكبر في الدولة السورية نعم، تفكك وبقوة.لماذا؟

لأن الدولة السورية لم تعد مركزية، بل عملياً منقسمة إلى 4 مناطق نفوذ:
نظام الجولاني في(دمشق، حمص، الساحل).وقسد (شرق الفرات).

المعارضة المسلحة التابعه/لتركيا في (إدلب وشمال حلب). وهناك مناطق شبه مستقلة (كالسويداء (دروز) ( ودرعا فيلق أحمد العودة).

السويداء تحديدًا أصبحت منذ 2020 في حالة انفصال فعلي غير معلن. والسلطة فيها محلية أي سُلطة مشايخ العقل، وفصائل مسلحة محلية، ولجان مدنية. النظام السوري الحالي موجود فقط شكلياً في المحافظة (مخابرات + فرع أمني) لكن من دون  سيطرة حقيقية وكل محاولات إعادة السيطرة عبر الجيش أو الأمن فشلت مراراً وتكراراً لإن قرار الإنفصال الدرزي مُتخذ ولا رجوع عنه في ظل تعديات جماعة الجولاني على الشيوخ والنساء في المحافظة،

لذلك أن ما يحدث اليوم هو تكريس لحالة التفكك، ومؤشر على أن الدولة السورية، كما نعرفها مركزياً، لم تعد قائمة فعلياً.وإن ما يحصل في الجنوب السوري له علاقة بما يجري بتحركات أمريكية روسية في الصراع على النفوذ فيه؟

الجنوب السوري، وخاصة السويداء ودرعا، هي ساحة تنافس أمني إقليمي مخنوق والتحرك الأميركي موجودة بقوة في قاعدة التنف (قرب مثلث الحدود السورية-الأردنية-العراقية).

وهي تدعم فصائل تَدَّعي أنها مناهضة لتنظيم الدولة كذباً وزوراً لتبرير بقاؤها واحتلالها لمصادر الثروة السورية في البلاد وهي تُشرف بشكل غير مباشر على استقرار جنوب السويداء لضمان أمن الأردن وضمان عدم تمدد إيران.

وليست لحماية الأقليات (خاصة الدروز بدعم إسرائيلي شكلي).

لروسيا أهداف في الجنوب السوري رغم أنها حالياً في وضع دفاعي وليس هجومي ولكنها تحاول لعب دور الوسيط فيما يجري، لكنها فقدت الكثير من تأثيرها المباشر وتركت الجنوب لـ”الفراغ التفاوضي” بين إسرائيل وأميركا.

ثالثاً: كيف يمكن أن تؤثر هذه التطورات على مستقبل وحدة سوريا؟ واحدة من الاحتمالات: هي استمرار التفكك الوظيفي طويل الأمد للدولة، وترك كل منطقة تدار محلياً. النظام يحتفظ بالشكل الخارجي فقط. تحت عنوان”لا حرب ولا سلم”. واعطاء حكم ذاتي دائم للدروز في السويداء على النمط الكردي،

لكي يكون نموذج “إدارة محلية تحت سقف الدولة الضعيفة”. في ظل دعم غربي صامت لضمان الاستقرار المحلي.

وتنسيق أمني غير رسمي مع إسرائيل وأميركا. والصدام العسكري بين الدروز والجماعات الإرهابيه سيكون كبير جداً كما رأينا بالأمس إذا حاول النظام فرض السيطرة على المحافظة بالقوة.وقد يؤدي ذلك لتدخل إسرائيلي مباشر.

و إشعال جبهة جنوبية تعيد تفعيل وتنظيم التحالفات. لذلك ما يجري في السويداء ليس مجرد “اشتباك محلي”، إنما يشكل انعكاس لحقيقة مفادها أن سوريا باتت دولة فاشلة مقسّمة عملياً.

ومسرح صغير لصراع إقليمي كبير أميركا، إسرائيل، إيران، وتركيا.
ومفتاح مستقبلي لإعادة تشكيل الجنوب السوري، وربما النظام السياسي برُمَّته.

بيروت في،،   19/7/2025