البعد التثويري في المشروع الحسيني..!
د. محمد هاشم البطاط ||

بعيداً عن المنجزات الكثيرة التي حققتها الثورة الحسينية فيما يتعلق بالأبعاد الدينية والروحية داخل المجتمع الاسلامي في سياق المشروع الإحيائي الذي حمله الإمام الحسين (ع)، فإن هناك منجزاً سياسياً مهماً تحقق على أرض الواقع يرتبط برفع منسوب سخط المجتمع الإسلامي على السلطة السياسية الأموية الحاكمة، وتعرية الأدوات التي تم الارتكان اليها في تبرير هذه السلطة،
وكذلك إماتة كل المحاولات الرامية الى منحها شرعية دينية/سياسية، إذ شكّل (عاشوراء) حدثاً مفصلياً في التاريخ السياسي الاسلامي لدرجة أن لا مبالغة في تأكيد أنه عبّر عن منعطف تحقيبي لهذا التاريخ، فنكون، على سبيل المثال، أمام ثورات ما قبل عاشوراء وثورات ما بعد عاشوراء، المجتمع الاسلامي قبل عاشوراء ومجتمع ما بعده، وهكذا…
وفي هذا السياق، يمكن تلمّس التفاوت البياني على مستوى السخط الشعبي، والثورات السلمية والعسكرية ضد السلطة السياسية (قبل) و (بعد) عاشوراء، فقد شكّلت شهادة الإمام الحسين (ع) صدمةً للمجتمع الاسلامي، لفداحة الجرم الذي تحقق إبّانها على يد الطاغية يزيد وأدواته من جهة، ولرمزية الشخص الذي تمت إستباحة حرمته ومن معه في ظهيرة العاشر من محرم من جهةٍ ثانية، فبدأ المجتمع الاسلامي يُدرك خطورة الأوضاع، وأنه ليس بعزيز على هذه السلطة لتفعل فيه الأفاعيل إن إستمر السكوت على الظلم وتمريره.
من هنا يبرز التفاوت في حدوث صحوة ثورية، إن جاز التعبير ولاق، بعد عاشوراء، ولا نبالغ في القول إن أكدنا حقيقة أن كل الثورات والتمردات التي حصلت لاحقاً، كان لعاشوراء حضوراً فيها، وتأثيراً عليها، مباشراً أم غير مباشر، من ثورة أهل المدينة/ وما عُرف بوقعة الحَرّة 63هــــ، إلى ثورة عبد الله بن الزبير 64 ،
والذي وإن كان له إتجاهه الخاص إلا أنه إستغل واقعة الطف لتثوير الناس ضد حكم بني أمية، إلى ثورة التوابين 65هــــ، وكذلك ثورة المختار الثقفي 65هـــ، وصولاً الى الثورات الزيدية المتتالية التي تقف على رأسها ثورة زيد بن علي بن الحسين (ع) 122ه، بالاضافة الى الثورات المتوالية الحسنيين من أبناء الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، وهكذا تتكاثر الثورات وتتناسل كإستجابة للمشروع الحسيني الثوري.
بل حتى أعداء أئمة أهل البيت وأتباعهم، بنو العبّاس، كانت ثورتهم ضد بني أمية 132هــــ إعلاناً شعاراتياً للثأر لأهل البيت، والأخذ بحقهم من ظلم السلطة الأموية، وقد استمرت الثورات، بل وتعالت وتيرتها مدفوعة بالوهج الحسيني خلال حكم بني العباس،
وهذا ما يكشف عن المفصلية التي نتكلم عنها في أن التثوير الحسيني تمكن من أن يعيد موضعة العلاقة مع السلطة السياسية القائمة ضمن مسار الرفض والممانعة، ولا ندري ما هي المآلات التي يمكن أن تصل اليها الأمور لولا عاشوراء وأصدائها؟ سيبقى الحسين (ع) حياً مع كل (كلا) يقولها الأحرار بوجه كل ظالم يريد أن يحذف الــ(هيهات) من قاموس الإنسانية.




